الرئيسية > أحداث موسمية > الاحتفال بالمولد النبوي بدعة عبيدية فاطمية

الاحتفال بالمولد النبوي بدعة عبيدية فاطمية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين … أما بعد :
– مقدمة –

-1-
مما لا يشك فيه مسلم أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم عبادة من أجل العبادات ، وقربة تقرب إلى رضى رب الأرض والسموات ، كيف لا ، وهو الرسول المرتضى ، والخليل المجتبى ، والنبي المصطفى أنقذنا الله به من الضلال إلى الهدى ، وأرانا الصراط المستقيم بعد العمى ، هو الرحمة المهداة ، والنعمة المسداة ، والمنة المجتباة ، عليه صلوات ربي وسلامه ما تعاقب الليل والنهار ، وما دامت الأرض والسماء ،
قال الله تعالى : “لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين”[آل عمران:164] ،
وقال تعالى : “لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم” [التوبة:128] ،
وقال تعالى : “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين”[الأنبياء:107] ،
وما أصدق ما قاله الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة رضي الله عنه
في حق النبي صلى الله عليه وسلم :

وَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَهُ
إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ اللَّيْلِ سَاطِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ
إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ الْمَضَاجِعُ
أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا
بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ

[أخرجه البخاري (6151)]

-2-
محبة النبي صلى الله عليه وسلم عقيدة واجبة ، وفريضة لازمة ، طاعة واقتفاء واتباعاً ؛ في القلب واللسان والجوارح ، قال تعالى : “قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ”[التوبة:24] ،
وقال سبحانه وتعالى : “مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا”[النساء:80] ،
وقال صلى الله عليه وسلم : “لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ”[أخرجه البخاري (15) ، ومسلم (78)] .

– المحبة مع الاتباع –
ولا تكون المحبة صادقة إن لم يكن معها المتابعة والاقتفاء ، والدعاوي بلا بَيِّنَات جَلِيَّات غير مقبولات ،
قال تعالى : “فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا”[النساء:65]
وقال سبحانه : “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا”[الأحزاب:36]
قال جل ذكره : “قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم”[آل عمران:31] ،
وقال تعالى : “مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا”[النساء:80] ،
وقال تعالى : “قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِين”[النور:54] ،
وقال تعالى : “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب”[الحشر:7] ،
وقال صلى الله عليه وسلم : “فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِى فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ”[أخرجه أبو داوود (4609) ، والترمذي (2676)] .

وقال البربهاري رحمه الله : “واعلم رحمك الله أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب ، إنما العلم ؛ من اتبع العلم والسنن ، وإن كان قليل العلم والكتب ، ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة ، وإن كان كثير العلم والكتب”[شرح السنة (104)] ،

وقال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله : “والعبادات مبناها على السنة والاتباع ، لا على الهوى والابتداع”[شرح الطحاوية (37)] ،

وقال ابن القيم رحمه الله : “فمن صحب الكتاب والسنة ، وتغرب عن نفسه وعن الخلق ، وهاجر بقلبه إلى الله ؛ فهو الصادق المصيب”[مدارج السالكين (2/487)] ،
وقال في نونيته :

شَرْطُ المحَبَةِ أَنْ تُوافِقَ مَنْ
تُحِبُّ عَلَى مَحَبَّتِهِ بِلَا عِصْيَانِ
فَإِذَا ادَّعَيْتَ لَهُ المحَبَةَ مَعْ خِلَا
فِكَ مَا يُحبُّ فَأَنْتَ ذُو بُهْتَانِ

– العبادات توقيفية –
العبادات توقيفية ، لا يجوز إحداث شيء منهالم يرد في الأصلين ؛ الكتاب أو السنة ،
ولا يجوز التعبد لله بعبادة من العبادات إلَّا على الطريقة التي وردت في الكتاب والسنة ، كيفاً وكماً وزماناً ومكاناً ،
لقد أكمل الله لنا الدين ، وبين النبي صلى الله عليه وسلم لنا أبلغ البيان ، وما ترك شيئاً إلَّا أبانه لأمته ووضحه ،
قال الله تعالى :”الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم”[المائدة:3] .
وقال تعالى : “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون”[النحل:44] ،
وقال صلى الله عليه وسلم : “فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ قَالُوا نَعَمْ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ”[أخرجه البخاري (1741) ، ومسلم (4399)] ،
وقال صلى الله عليه وسلم : “مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ”[أخرجه البخاري (2697) ، ومسلم (4513)] ،
وعن سلمان رضي الله عنه : قال : “قِيلَ لَهُ : قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ : فَقَالَ : أَجَلْ ، “لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ ، أَوْ بَوْلٍ ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ ، أَوْ بِعَظْمٍ”[أخرجه مسلم (527)] .
وقال أبو ذر رضي الله عنه :”لَقَدْ تَرَكَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا يُحَرِّكُ طَائِرٌ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلَّا أَذْكَرَنَا مِنْهُ عِلْمًا”[أخرجه أحمد (21361)] ،

قال ابن مفلح رحمه الله : “الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ شيء منها سببًا إلا أن تكون مشروعة فإن العبادات مبناها على التوقيف”
[الآداب الشرعية لابن مفلح (2/265)] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : “فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلَّا بالشرع ، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه ، والأصل فيه عدم الحظر ؛ فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى ؛ وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله ، والعبادة لا بد أن تكون مأمورًا بها ، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم عليه بأنه عبادة ، وما لم يثبت من العبادات أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور ، ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون : إن الأصل في العبادات التوقيف ؛ فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى ، وإلا دخلنا في معنى قوله : “أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ”[الشورى:21] ، والعادات الأصل فيها العفو ؛ فلا يحظر منها إلا ما حرمه وإلَّا دخلنا في معنى قوله :”قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً” [يونس:59] ، ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وحرموا ما لم يحرمه” [فتاوى شيخ الإسلام (29/16)] .
وفي فتاوى اللجنة الدائمة : “العبادات مبنية على التوقيف ، فلا يجوز أن يقال إن هذه العبادة مشروعة من جهة أصلها أو عددها أو هيئاتها أو مكانها إلا بدليل شرعي يدل على ذلك”
[فتاوى اللجنة الدائمة (3/73)] .

– الاحتفال بالمولد النبوي –
فإذا كانت محبة الرسول صلى الله عليه وسلم عبادة من العبادات ، والعبادات مبناها على الدليل الصحيح الصريح ، وهذه المحبة التي هي من قبيل العبادة دعوى يدعيها صاحبها ما لم يكن معها اتباع واقتفاء ، فإذا أردنا أن نطبق هذه التأصيلات فإن المنصف المتجرد عن الهوى يتبين له بما لا مرية فيه أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة من المحدثة ، ومزيد من البيان في هذا الشأن أقول :

-1-
الاحتفال بالمولد النبوي لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا فعله أصحاب القرون المفضلة ، ولم يؤيد بإجماع ولا قياس صحيح ، بل أُحدث بعدهم ؛ أُحدث في القرن الرابع الهجري في دولة الرفض ؛ الدولة العبيدية الفاطمية ، والعبيديون باطنيون زنادقة ، يقول شيخ الإسلام عنهم : “العبيديون ، وهم ملاحدة في الباطن ، أخذوا من مذاهب الفلاسفة والمجوس ما خلطوا به أقوال الرافضة ، فصار خيار ما يظهرونه من الإسلام دين الرافضة ، وأما في الباطن فملاحدة ، شر من اليهود والنصارى ، ولهذا قال فيهم العلماء : ظاهر مذهبهم الرفض ، وباطنه الكفر المحض ، وهم من أشد الناس تعظيمًا للمشاهد ، ودعوة الكواكب ، ونحو ذلك من دين المشركين ، وأبعد الناس عن تعظيم المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، وآثارهم في القاهرة تدل على ذلك”[الرد على البكري
(2/582)] .

وقال أيضاً عنهم : “أن طوائف ادعى كل منهم أن المهدي المبشر به ، مثل مهدي القرامطة الباطنية الذي أقام دعوتهم بالمغرب ، وهو من ولد ميمون القداح ، وأدعوا أن ميمونًا هذا هو من ولد محمد بن إسماعيل ، وإلى ذلك انتسب الإسماعيلية ، وهم ملاحدة في الباطن خارجون عن جميع الملل ، أكفر من الغالية كالنصيرية ، ومذهبهم مركب من مذهب المجوس والصابئة والفلاسفة مع إظهار التشيع ، وجدهم رجل يهودي كان ربيبًا لرجل مجوسي ، وقد كانت لهم دولة وأتباع”[منهاج السنة النبوية (8/258)] .

فبدعة الاحتفال بالمولد النبوي عند العبيديين بدعة من ضمن بدع عدة كانوا يزاولونها ، يقول المؤرخ المقريزي : “وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم ، وهي : مواسم “رأس السنة”، ومواسم “أول العام”،”ويوم عاشوراء”،”ومولد النبي صلى الله عليه وسلم”،”ومولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه”، “ومولد الحسن والحسين عليهما السلام”،”ومولد فاطمة الزهراء عليها السلام”،”ومولد الخليفة الحاضر”،”وليلة أوَّل رجب”،”وليلة نصفه”،”وليلة أوّل شعبان”، “وليلة نصفه”،”وموسم ليلة رمضان”،”وغرّة رمضان”،”وسماط رمضان”،”وليلة الختم”،”وموسم عيد الفطر”،”وموسم عيد النحر”، “وعيد الغدير”،”وكسوة الشتاء”،”وكسوة الصيف”،”وموسم فتح الخليج”،”ويوم النوروز”،”ويوم الغطاس”،”ويوم الميلاد”،”وخميس العدس”،”وأيام الركوبات”[المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار للمقريزي (2/436)].
ويقول أيضاً : “وجرى الرسم في عمل المولد الكريم النبوي في ربيع الأول على العادة”[اتعاظ الحنفاء للمقريزي (3/101)].

وقال مفتي الديار المصرية سابقاً الشيخ محمد بن بخيت المطيعي : “مما أحدث وكثر السؤال عنه الموالد ، فنقول : إن أول من أحدثها بالقاهرة الخلفاء الفاطميون ، وأولهم المعز لدين الله…”[أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام (ص:44)].

وقال الشيخ علي محفوظ رحمه الله ، وهو من علماء مصر : ” قيل : إن أول من أحدثها – أي الموالد – بالقاهرة الخلفاء الفاطميون في القرن الرابع ، فابتدعوا ستة موالد : المولد النبوي ، ومولد الإمام علي رضي الله عنه ، ومولد السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها ، ومولد الحسن والحسين رضي الله عنهما ، ومولد الخليفة الحاضر…”[الإبداع في مضار الابتداع (ص:251] .

“وكان أول من فعل ذلك بالموصل رجل اسمه : عمر بن محمد الملَّا ، وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل وغيره ، وصاحب إربل هذا هو : المظفر أبو سعيد كوكبري بن زيد الدين علي بن تبكتكين ، توفي سنة : (630هـ) ، وهو أشهر من بالغ في الاحتفال بالمولد النبوي بعد العبيديين” . [انظر الباعث لإنكار البدع والحوادث لأبي شامة ، ص : (23-24)] .

-2-
كما أن الاحتفال بالمولد بدعة رافضية عبيدية ، فإن فيها -زيادة على ذلك- مشابهة للنصارى ، والنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بمخالفتهم ، فقال : “لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ”[أخرجه البخاري (3445)] ،
وقال :”مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ”[رواه أبو داوود (4033)] ، فالنصارى هم من أحدث عيداً لميلاد عيسى عليه السلام ، فالمحتفلون بالمولد النبوي متشابهون مشابهون للنصارى في فعلتهم المنكرة هذه ،
يقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله : “إقامة الاحتفال بالمولد النبوي صلى الله عليه وسلم هذا ممنوع من ناحية أخرى ؛ لأنه تشبه بالنصارى الذين يحتفلون بمولد المسيح عليه السلام … مدعاة للإطراء والغلو في حق النبي صلى الله عليه وسلم”[مجموع الفتاوى (2/ 689-692)] .

-3-
فما الظن – نُكراً وشناعة – ببدعة ولدت من رحم النصارى المشركين ، وترعرعت عند الرافضة السبئيين ، وتلقفها الفئام من الصوفية المبتدعين ، فالحمد لله حمداً كثيراً متتابعاً على نعمة الإسلام والسنة ، منتهجين نهج الصحابة والسلف الصالحين ، سائلين الله المولى أن يميتنا على ما مات عليه نبينا الكريم وصحابته الميامين ، اللهم آمين .

-4-
وهناك مأخذ آخر لتحريم عمل المحتفلين بالموالد النبوية ، وهو اتخاذهم يوم المولد عيداً ، يعاد ويكرر كل عام ، ويلحق به كل ما شابهة من الأعياد المحدثة ، كعيد الأم ، والعيد الوطني ، وأعياد الميلاد ،

سئلت اللجنة الدائمة : ما هو حكم الشرع في الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبعيد مولد الأطفال ، وعيد الأم ، وأسبوع الشجرة ، وأسبوع المرور ، واليوم الوطني للمملكة ، وأسبوع المساجد أليست بدعة ؟ فلماذا تحاربون الاحتفال بمولد الرسول مع العلم أنه أعظم رجل عرفته البشرية جمعاء وهو أحق وأهل لذلك ولا تنكرون على هذه الاحتفالات الأخرى ؟ فأجابت :

“أولاً : العيد اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد ؛ إما بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع أو نحو ذلك ، فالعيد يجمع أمورًا ، منها : يوم عائد كيوم عيد الفطر ويوم الجمعة ، ومنها : الاجتماع في ذلك اليوم ، ومنها : الأعمال التي يقام بها في ذلك اليوم من عبادات وعادات .

ثانيًا : ما كان من ذلك مقصودًا به التنسك والتقرب أو التعظيم كسبا للأجر ، أو كان فيه تشبه بأهل الجاهلية أو نحوهم من طوائف الكفار ، فهو بدعة محدثة ممنوعة ، داخلة في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم : “مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ” ، رواه البخاري ومسلم ، مثال ذلك : الاحتفال بعيد المولد ، وعيد الأم ، والعيد الوطني ؛ لما في الأول من إحداث عبادة لم يأذن بها الله ، ولما في ذلك التشبه بالنصارى ونحوهم من الكفرة ، ولما في الثاني والثالث من التشبه بالكفار ، وما كان المقصود منه تنظيم الأعمال مثلًا لمصلحة الأمة وضبط أمورها ؛ كأسبوع المرور ، وتنظيم مواعيد الدراسة ، والاجتماع بالموظفين للعمل ونحو ذلك مما لا يفضي به إلى التقرب والعبادة والتعظيم بالأصالة ، فهو من البدع العادية التي لا يشملها قوله صلى الله عليه وسلم : “مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ” ، فلا حرج فيه ، بل يكون مشروعًا ، وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد ، وآله وصحبه وسلم [فتاوى اللجنة الدائمة (3/87-88)] .

-منكرات بدعة الاحتفال بالمولد النبوي-
ومن المنكرات التي كثيرًا ما تصاحب هذه الاحتفالات :

-1-
بدع شركية في الألوهية والربوبية ، من مثل : الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والغلو فيه ، ونسبة علم الغيب له صلى الله عليه وسلم ، وغير ذلك .
وإنشاد قصيدة : “البردة للبوصيري” في مدح النبي صلى الله عليه وسلم ، هي العمدة عند القوم في إحياء تلك الاحتفالات ، وفيها من الانحرافات العقدية التي لا تخفى على أحد ، انظر إلى أبيات مختارة من تلك القصيدة ، واحمد الله على نعمة التوحيد والسنة :

يقول صاحبها – عامله الله بما يستحق – :

يـَـا أَكْرَمَ الخلقِ مَا لِي مَنْ ألوذُ بِهِ
سِـوَاكَ عِنـدَ حُلُولِ الحادِثِ العَمِمِ
اِنْ لمْ يكُـنْ فِي مَعَـادِي آخِذَاً بِيَدِي
فَضْلًا وإلِّا فَقُــلْ يَـا زَلَّةَ القَدَمِ
دَعْ مــَا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى فِي نَبِيِّهِـمِ
واحْكُمْ بِما شِئْتَ مَدحَاً فِيهِ واحْتَكِـمِ
مَا سَـامَنِي الدَّهرُ ضَيْمَاً واسْـتَجَرتُ بِهِ
الَّا وَنِــلْتُ جِـوَارَاً مِنْه لَمْ يُـضَمِ
فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا
وَمِنْ عُلُومِكَ عِلمَ اللَّوْحِ وَالْقَلَمِ

-2-
ومنكرات أخلاقية ، تحدث في كثير من الديار والبلدان ، ومنها : ضرب الدفوف ، والرقص ، ومخالطة النساء والمردان ، والقيام عند ذكر اسم الرسول صلى الله عليه وسلم ، والإسراف في الموائد والأموال .

قال ابن الحاج : ” فمن ذلك – أي ما يجري في المولد – استعمالهم المغاني ، ومعهم آلات الطرب من الطار المصرصر ، والشبابة ، وغير ذلك مما جعلوه آلة السماع”[المدخل (2/2)] .

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله :”ثم إن غالب هذه الاحتفالات بالموالد مع كونها بدعة لا تخلو من اشتمالها على منكرات أخرى ؛ كاختلاط النساء بالرجال ، واستعمال الأغاني والمعازف ، وشرب المسكرات والمخدرات ، وغير ذلك من الشرور ، وقد يقع فيها ما هو أعظم من ذلك , وهو الشرك الأكبر , وذلك بالغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأولياء ودعائه والاستغاثة به , وطلبه المدد , واعتقاد أنه يعلم الغيب , ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس , حين احتفالهم بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ممن يسمونهم بالأولياء”[مجموع الفتاوى (1/181)] .
-شبهات وردود–
ومن أهم شبهات القوم في تجويزهم الاحتفال بالمولد النبوي ، ما يلي :
-1-
يقولون : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين ، فلما سئل عن ذلك قال : “وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ ؟ قَالَ : ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ ، أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ”[رواه مسلم (2717)] ، فيوم ولادته يوم معظم ، فنحن نحتفي به كما احتفى به النبي صلى الله عليه وسلم .
رد هذه الشبهة :
لو كان القوم صادقين في الاتباع لالتزموا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في صيام يوم الاثنين ، واكتفوا بذلك ، ولكنهم أبوا إلا أن يفتئتوا عليه ، ويزيدوا على سنته بأنواع من البدع ، وصدق الله العظيم إذ يقول : “أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم”[الشورى:21] .

-2-
يقولون : جاء في البخاري عن عروة : أنه قال في ثويبة مولاة أبي لهب – وكان أبو لهب أعتقها ، فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم – فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة ، قال له : ماذا لقيت ؟ قال أبو لهب : لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة” ، قالوا : إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى صلى الله عليه وسلم ، وقد انتفع به الكافر ، والمسلم أولى بذلك .

رد هذه الشبهة :
خبر عروة – المذكور – عند أهل الحديث من قبيل المرسل ؛ لأن عروة رحمه الله من التابعين ولم يذكر من حدثه به ، والمرسل كما هو معروف نوع من أنواع الضعيف ، والبخاري لم يشترط الصحة في كتابه قصداً إلا في الموصولات المرفوعات ، وأما ما يذكره من الموقوفات والمعلَّقات وغيرها إنما جاء بها عرضاً لا قصداً ، ومن ذلك خبر عروة هذا .
وليس في خبر عروة الذي أورده البخاري رحمه الله ذكر يوم الاثنين ولا ذكر ولادته صلى الله عليه وسلم .
وليس فيه أن سبب تخفيف العذاب عن أبي لهب كان لأجل عتقه ثويبة مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم لما بشرته بولادة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما الذي فيه : أن التخفيف جاء بسبب العتق المجرد ، غير المعلق بسبب .
وليس فيه أن العتق جاء بعد الإرضاع والبشارة ، وإنما الذي فيه أن أبا لهب أعتقها ثم بعد ذلك أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم .
ومع هذا وذاك فالخبر حكاية منام ، وحكاية المنام من غير الأنبياء والمرسلين لا يؤخذ منها أحكام .

-3-
يقولون : نعمل هذه الاحتفالات لأجل الاجتماع للذكر والصدقة ومدح النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه أمور ممدوحة شرعاً .
رد هذه الشبهة :
قد أجبنا على هذه الشبهة ضمناً في التأصيلات السابقة ، وقلنا : إن الذكر والصدقة ومدح النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها من العبادات لا بد – عند إرادة فعلها – أن يكون لها أصل من دليل صحيح صريح ، وإلا رددناها على صاحبها ولم نقبلها منه ، ومما هو معلوم عند أهل الاعتقاد الصحيح أن الأعمال الصالحة لا تقبل إلَّا إذا توفر فيها شرطان : الإخلاص ، والمتابعة .

-4-
يقولون : قد أجاز الاحتفال بالمولد النبوي جمع من العلماء ، منهم : ابن حجر ، والسيوطي ، وغيرهما .
رد هذه الشبهة :
“العلماء يستدل لهم لا يستدل بهم” ، و”الحق أحق أن يتبع” ، و”الحق لا يعرف بالرجال ، وإنما يعرف الرجال بالحق” ، وما أروع ما قاله عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما قيل له : إن أباك يأمر بالإفراد بالحج ، وينهى عن التمتع ، قال رضي الله عنه :”أَأَمْرَ أَبِي نَتَّبِعُ ، أَمْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟”[أخرجه الترمذي(824)] ، – وإنما نهى عنها عمر رضي الله عنه اجتهاداً ؛ لأنه يرى أن الإفراد أفضل ، وفي أفضل أنساك الحج خلاف بين العلماء- فابن حجر والسيوطي وغيرهما – ممن أجاز الاحتفال بالمولد النبوي- قد جانبوا الصواب في هذه المسألة ، فتوى وتأصيلاً ، والحق مع من وافق الدليل ، وإذا كانت الحجة – عندكم- في أقوال العلماء فسننقل من فتاوى أهل العلم الكثيرة – قريباً إن شاء الله – المستندة على التأصيل السديد والدليل الصحيح ما يشفي السقيم العليل .

-6-
يقولون : إن شيخكم ابن تيمية قد قال في مجموع الفتاوى عن المحتفلين بالمولد النبوي – مقراً لهم -:
والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد” ، وقال : “فتعظيمُ المولد ، واتخاذُه موسمًا ، قد يفعله بعضُ الناس ،
ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده ، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم” .

رد هذه الشبهة
سننقل هنا بعض أقوال شيخ الإسلام في شأن الإحتفال بالمولد النبوي والمحتفلين به ؛ ليتبين لكل قارئ أن نقلهم الآنف كان خطأ أو مجتزأ ،
يقول عليه رحمة الله : “وكذلك ما يُحدثه بعض الناس ، إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام ، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتعظيماً له – والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد ، لا على البدع – من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيداً – مع اختلاف الناس في مولده – : فإن هذا لم يفعله السلف ، مع قيام المقتضي له ، وعدم المانع منه ، ولو كان هذا خيراً محضاً ، أو راجحاً : لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منَّا ؛ فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيماً له منَّا ، وهم على الخير أحرص ، وإنما كمال محبته وتعظيمه : في متابعته وطاعته واتباع أمره ، وإحياء سنَّته ، باطناً ، وظاهراً ، ونشر ما بُعث به ، والجهاد على ذلك بالقلب واليد ، واللسان ؛ فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين ، والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان” [اقتضاء الصراط (ص : 294 – 295 )] .
فظهر مراد الشيخ ، وأنه أراد بما أورده بيان أن الفعل محدث مبتدع ، أما محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فقد يثابون عليها ، فالجهتان منفكتان .

أما النقل الثاني ، فلو أتموه لتبين المراد ، قال رحمه الله : “فتعظيمُ المولدواتخاذه موسمًا ، قد يفعله بعض الناس ، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده ، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قدمته لك أنه يحسن من بعض الناس ، ما يستقبح من المؤمن المسدد ، ولهذا قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء : إنه أنفق على مصحف ألف دينار ، ونحو ذلك فقال دعه ، فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب ، أو كما قال ، مع أن مذهبه : أن زخرفة المصاحف مكروهة ، وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجديد الورق والخط ، وليس مقصود أحمد هذا ، إنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة ، وفيه أيضاً مفسدة كره لأجلها ، فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا ، وإلا اعتاضوا بفساد لا صلاح فيه ، مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور ؛ من كتب الأسمار أو الأشعار ، أو حكمة فارس والروم ، فتفطن لحقيقة الدين ، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد ، بحيث تعرف ما مراتب المعروف ، ومراتب المنكر ، حتى تقدم أهمها عند الازدحام ، فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت به الرسل ، فإن التمييز بين جنس المعروف ، وجنس المنكر ، أو جنس الدليل ، وغير الدليل ، يتيسر كثيراً”[اقتضاء الصراط (ص : 126-127 )].

فمن هذا النقل نتبين أن فتوى الشيخ هذه كانت في حال معينة ، وهي حالة ما إذا كان الفاعلون لهذا الاحتفال أناس بطَّالون ، أصحاب منكرات متعدية ، فإنشغالهم بمنكر غير متعدي أولى من فعلهم المنكر المتعدي ، ولذا أشار رحمه الله إلى أن فعل الاحتفال بالمولد مستقبح من المؤمن المسدد ، وما ذاك منه إلا لبيان أن هذا الاحتفال منكر ، ولكن سُمح به إزاء ومقارنة بمنكر أكبر منه ، ثم مثَّل بما ورد عن أحمد رحمه الله لتطبيق قاعدة في ازدحام المفاسد أيهما يقدم ؟

يقول الشيخ ابن باز رحمه الله : “والشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية رحمه الله ممن ينكر ذلك ويرى أنه بدعة ، ولكنه في كتابه : “اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم” ذكر في حق من فعله جاهلًا ، ولا ينبغي لأحد أن يغتر بمن فعله من الناس ، أو حبذ فعله أو دعا إليه كمحمد علوي مالكي وغيره ؛ لأن الحجة ليست في أقوال الرجال وإنما الحجة فيما قال الله سبحانه ، أو قاله رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو أجمع عليه سلف الأمة , لقول الله عز وجل : “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا” ، وقوله سبحانه : “وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ” الآية ، وقوله سبحانه :”لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا”[مجموع الفتاوى
(9/211)] .

-5-
يقولون : الاحتفال بالمولد النبوي من البدع الحسنة ، ونحن -والحمد لله- لا نحدث فيه مما ذكر من المنكرات ، وإنما قراءة للسيرة فقط .

رد هذه الشبهة
الاحتفال بالمولد النبوي بدعة محدثة ضلالة ، وإن خلا من المنكرات الشركية أو الأخلاقية ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ، وهو أصدق القائلين :”وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ”[أخرجه أبو داوود (4609)] ،
“وكل” من ألفاظ العموم لا يستثنى منه شيء ، وفي هذا رد على مقسمي البدع ، القائلين أن من البدع بدعاً حسنة – أو أنها غير محرمة – وعدوا بدعة الاحتفال بالمولد منها .

قال مالك رحمه الله :”من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالة ، لأن الله يقول: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا”[المائدة: 3] ، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا”[الاعتصام للشاطبي (6/94)] .

قال العلامة ابن الحاج المالكي ، رحمه الله تعالى : “فإن خلا من كل ما تقدم – أي من المنكرات بشتى أنواعها- فهو بدعة بنفس نيته فقط ، إذ إن ذلك زيادة في الدين ، وليس من عمل السلف الماضين”[المدخل (1/491)] .

وقال الحافظ ابن رجب : “فقوله صلى الله عليه وسلم : “وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌمن جوامع الكلم ، لا يخرج عنه شيء ، وهو أصل عظيم من أصول الدين ، وهو شبيه بقوله صلى الله عليه وسلم : “مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ”.
[انظر كتابي : “تنبيه الطالب” ، رد علمي على الدكتور عبد الرحيم الهاشم ، في محاضرته التي قرر فيها تقسيم البدع ، فقد أفضت في هذه المسألة ، وذكرت أقوال أهل العلم وفتاويهم ، فلتراجع هناك] .

-6-
يقولون : إن هذه الاحتفالات من العادات لا من العبادات فغير داخلة في مسمى البدعة .

رد هذه الشبهة
لا يسلم لهم زعمهم هذا ، وإنَّا نسألهم :
هل- عندكم- محبة النبي صلى الله عليه وسلم ، والثناء والصلاة عليه عادة أم عبادة ؟!
وهل – عندكم- قراءة القرآن المصاحب لهذه الاحتفالات عادة أم عبادة ؟!
وهل تريدون باجتماعكم هذا الاجتماع القربة أم التسلي وترويح النفس ؟!
أجيبوا ! فجوابكم حجة عليكم لا لكم .
قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله -في رده على الزاعمين أن احتفالاتهم بالمولد النبوي عادة لا عبادة- :” فمن المعلوم أنه من أقبح الأشياء أن يفعل فعلاً يظهر منه إرادة تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وهو للعب واللهو ، فإن هذا نوع من السخرية والاستهزاء ، وإذا كان لهواً ولعباً فكيف يتخذ ديناً يعظم به النبي صلى الله عليه وسلم”[فتاوى نور على الدرب (3/166)] .

–فتاوى العلماء في دحض هذه البدعة-
وفتاوي أهل العلم في تحريم الاحتفال بالمولد النبوي كثيرة ، قد أوردنا شيئاً منها فيما سبق ، ونزيدها بما يلي :

-1-
قال الشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي المشهور بالفاكهاني المالكي رحمه الله : “لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة ، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة ، الذين هم القدوة في الدين ، المتمسكون بآثار المتقدمين ، بل هو بدعة أحدثها البطالون ، وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون…”[السنن والمبتدعات (ص : 143] .

-2-
وقال العلامة إبراهيم بن موسى بن محمد الشاطبي المالكي: “فمعلوم أن إقامة المولد – على الوصف المعهود بين الناس – بدعة محدثة ، وكل بدعة ضلالة ؛ فالإنفاق على إقامة البدعة لا يجوز ، والوصية به غير نافذة ؛ بل يجب على القاضي فسخه وردُّ الثلث إلى الورثة ؛ يقتسمونه فيما بينهم ، وأبعد الله الفقراء الذين يطلبون إنفاذ مثل هذه الوصيّة”[فتاوى الشاطبي : ص : 203].

-3-
وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني :”لم أجد إلى الآن دليلاً يدل على ثبوته من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ، ولا استدلال ؛ بل أجمع المسلمون أنَّه لم يوجد في عصر خير القرون ، ولا الذين يلونهم ولا الذين يلونهم …”[رسالة في حكم المولد ، ضمن مجموع “الفتح الرباني” 2 / 1087] .

-4-
قال العلامة محمد بن إبراهيم :”لا شك أن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم من البدع المحدثة في الدين ، بعد أن انتشر الجهل في العالم الإسلامي ، وصار للتضليل والإضلال ، والوهم والإيهام ، مجال عميت فيه البصائر ، وقوي فيه سلطان التقليد الأعمى ، وأصبح الناس في الغالب لا يرجعون إلى ما قام الدليل على مشروعيته ، وإنما يرجعون إلى ما قاله فلان وارتضاه علان ، فلم يكن لهذه البدعة المنكرة أثر يذكر لدى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا لدى التابعين وتابعيهم ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : “فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ” ،
وقال أيضاً ” مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ” ، وفي رواية : “مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ”[مجموع الفتاوى (3/54)] .

-5-
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله : “ليس للمسلمين أن يقيموا احتفالًا بمولد النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الثاني عشر من ربيع الأول ولا في غيرها ، كما أنه ليس لهم أن يقيموا أي احتفال بمولد غيره عليه الصلاة والسلام ؛ لأن الاحتفال بالموالد من البدع المحدثة في الدين ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحتفل بمولده في حياته صلى الله عليه وسلم ، وهو المبلغ للدين والمشرع للشرائع عن ربه سبحانه ، ولا أمر بذلك ، ولم يفعله خلفاؤه الراشدون ، ولا أصحابه جميعًا ، ولا التابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة ؛ فعلم أنه بدعة”[مجموع الفتاوى (4/289)] .

-6-
قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله : “وإن من جملة البدع ما ابتدعه بعض الناس في شهر ربيع الأول من بدعة عيد المولد النبوي ، يجتمعون في الليلة الثانية عشرة منه في المساجد أو البيوت فيصلون على النبي صلى الله عليه وسلم بصلوات مبتدعة ويقرؤون مدائح للنبي صلى الله عليه وسلم ، تخرج بهم إلى حد الغلو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وربما صنعوا مع ذلك طعاماً يسهرون عليه فأضاعوا المال والزمان وأتعبوا الأبدان فيما لم يشرعه الله ولا رسوله ، ولا عمله الخلفاء الراشدون ، ولا الصحابة ، ولا المسلمون في القرون الثلاثة المفضلة ، ولا التابعون بإحسان ، ولو كان خيراً لسبقونا إليه ، ولو كان خيراً ما حَرَمَه الله تعالى سلف هذه الأمة وفيهم الخلفاء الراشدون والأئمة …”[مجموع الفتاوى (6/198)] .

-دعاة إلى هذه البدعة النكراء-
ومن أشهر الدعاة المعاصرين إلى هذه البدعة :

محمد علوي المالكي المكي :
رأس من رؤوس البدعة ، وإمام من أئمة أهل الأهواء في هذا الزمن ، كان منزله مأوى للمبتدعة من كل الأجناس ، ألَّف وحاضر وأنشد المدائح النبوية ، له شطحات عقدية كبرى ، رد عليه علماء أهل السنة ، وحذروا من ضلالاته ، ومنعه أولياء أمورنا من التدريس في المسجد الحرام ، مات عام : (1425 هـ) ، له كتب سيئة منكرة ، منها : “مفاهيم يجب أن تصحح” ، وكتاب : “الذخائر المحمدية” ،

ومما جاء من كلام هيئةكبار العلماء فيه قولهم : “وقد تبين للمجلس صحة ما ذكر من كون محمد علوي داعية سوء ، ويعمل على نشر الضلال والبدع ، وأن كتبه مملوءة بالخرافات والدعوة الى الشرك والوثنية” ، وقد اجتمع به العلماء ونصحوه بالرجوع لكنه لم يستجب . [انظر قرار هيئة كبار العلماء فيه ، ذا الرقم (86) بتاريخ : 11/11/1401 هـ] ،
ومن الكتب التي ردت عليه وحذرت منه ومن كتبه ، كتاب : “حوار مع المالكي في رد منكراته وضلالاته” ، للشيخ عبدالله بن منيع ، وتقديم الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله .
وكتاب : “هذه مفاهيمنا” ، رد على كتابه : “مفاهيم يجب أن تصحح” ، تأليف الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ .

إبراهيم الخليفة الأحسائي الشافعي
رأس ثان من رؤوس الصوفية الغلاة المبتدعة ، أشعري العقيدة ، من سكان محافظة الأحساء ، ذاع صيته لما مات شيخه محمد علوي المالكي ، له نشاط محموم معلن خارج البلاد ، أما داخل البلاد فبالتخفي ، وتسجيلات الإنترنت أخرجت له ما كان مخفياً ، فنشرت مجالسه ومدائحه ، واحتفالات الموالد التي كان يعقدها لمريديه وجُلَّاسه ، ومن آخرها ما ظهر له وانتشر في مواقع التواصل الاجتماعي من مقطع له ضم منكرات عدة ، من أخطرها قوله : “يا سيدنا ، يا رسول الله اشفع لنا عند الله ، ولنا ولوالدينا ، ولوالدي والدينا ، ولجميع المسلمين” ، يقول الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى : “طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم ، أو من غيره من الأموات لا يجوز ، وهو شرك أكبر عند أهل العلم ؛ لأنه لا يملك شيئاً بعدما مات عليه الصلاة والسلام ، والله يقول:قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا”[سورة الزمر(44)] ، الشفاعة ملكه سبحانه وتعالى ، والنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأموات لا يملكون التصرف بعد الموت في شفاعة ولا في دعاء ولا في غير ذلك”[فتاوى نور على الدرب (2/105)] .

علي الجفري اليمني
إمام من الأئمة المضلين ، وداعية من دعاة البدعة والضلالة ، أشعري العقيدة ، له انحرافات وخزعبلات وخرافات كثيرة ، وهو – أيضاً – تلميذ من تلاميذ المبتدع الكبير : محمد علوي المالكي ، ولد في السعودية ، ونشأ وتعلَّم في اليمن ، يُدرِّس في اليمن – في منطقة تريم – في مدرسة تسمى : “دار المصطفى” ، وهذه المدرسة من المدارس الصوفية التي تعنى بالتصوف ، ويفد إليها كثير من الناس من داخل اليمن ، ومن خارجه ، وهو من الخرّاَجين الولَّاجين من وإلى البلدان المختلفة لنشر بضاعته ؛ بضاعة التصوف والخرافة ، وقد مُنع -والحمد لله- من دخول بلادنا السعودية ، تستضيفه القنوات الفضائية المشبوهة لينفث سمومه أمام مشاهديه ، كان له دور ماكر في “مؤتمر غروزني” المنعقد في الشيشان ، ولكن رد الله كيده ومكره ، فجاء رئيس الشيشان إلى السعودية معتذراً نادماً مما حصل ، وتفرق الجمع ، وولوا الدبر ، ونكصوا على أعقابهم منهزمين ، ومما قال عنه الشيخ صالح الفوزان لما سئل عنه : “الرجل مبتدع خرافي يدعو إلى عبادة القبور والأضرحة ، رجل خرافي أشرطته موجودة وبصوته وكلامه ، يستهزئ بأهل السنة وأهل التوحيد ، ويسخر منهم”[المصدر : الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان – حفظه الله -] .

يوسف الرفاعي الكويتي
شيخ من شيوخ الصوفية ، وخادم الطريقة الرفاعية في الكويت وما جاورها ، له مشاركات في احتفالات الموالد النبوية بالمحاضرات والإنشاد والرقص الصوفي ، وله كتب وكتابات شائنة في التصوف ، ككتاب : “الصوفية والتصوف في ضوء الكتاب والسنة” ، مدح فيه الصوفية وأثنى على المتصوفة وعقائدهم وطريقتهم وعلماءهم ، وله رسالة موجهة منه إلى علمائنا أهل التوحيد ، باسم : “نصيحة لإخواننا علماء نجد” ، قدم لها وقرظها : محمد سعيد رمضان البوطي ، وقد رد عليها وعلى انحرافها وعلى مقرظها فضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى ، ومن الكتب التي ردت عليه وحذرت منه ومن كتبه ، كتاب : “الرد القوي على : الرفاعي ، والمجهول ، وابن علوي ، وبيان أخطائهم في المولد النبوي” للشيخ حمود التويجري رحمه الله .

عبد الإله العرفج الأحسائي
شيخ شافعي ، من تلاميذ مُعَمَّر الشافعية أحمد الدوغان ، أشعري المعتقد ، من منظري الشافعية – الآن- في محافظة الأحساء ، له مشاركات كثيرة في نشر مذهبه ومعتقده داخل الأحساء وخارجها ، عبر الدروس والكتابات والمحاضرات والقنوات ، له كتاب سماه : “مفهوم البدعة” ، قرر فيه جواز عمل احتفالات الموالد النبوية ، بتأصيلات وتقريرات ضعيفة ، رد عليها بعض طلبة العلم .

-نداءات موجهة –

النداء الأول : إلى إخواننا أهل السنة
كونوا في منأى عن البدعة وأهلها ، واحذروا أن تُكَثِّروا سوادهم بحضور تلك الاحتفالات بدافع الفضول أو الاطلاع ، فإن أبيتم إلَّا الحضور فيجب عليكم الإنكار ، قال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم : “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ”[رواه مسلم (86)] ،
ولا يجوز للمنكر بالقلب البقاء في مكان المنكر إن استطاع المفارقة ، يدل على ذلك قوله تعالى : “وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ”[النساء:140] ،
وقال صلى الله عليه وسلم : “مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِى ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لاَ يُغَيِّرُوا إِلاَّ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ””[رواه أبو داوود (4340)] .

النداء الثاني : إلى إخواننا أئمة المساجد وخطباء الجوامع
عليكم مسولية البلاغ والنصح والتوجيه ، وتحصين جماعاتكم من خطر البدعة وأهلها ، وتعليمهم التعليم النافع ؛ بحيث يستطيعوا فهم ما يدور حولهم ، وإلَّا تفعلوا ذلك ، فقد فرطتم وخنتم الأمانة ، وأنا أقف – والله – متحيراً من بعض الأئمة والخطباء – عفا الله عنهم – وكأن الأمر لا يعنيهم ! البدعة من حولهم وناحيتهم ، قد تخطفت أبناءنا وبناتنا ، وذهب ضحيتها كثير منهم ، وقعوا وارتكسوا في بدع عدة ، وضلالات متعددة ؛ سواء كان ذلك في بدع التصوف ، أو البدع الأخرى المنتشرة ؛ الأشعرية أو الإرجائية أو التكفيرية ، وكثير من أئمتنا وخطبائنا في غفلة – أو تغافل – عن ذلك ، فلا أدري متى سينفضون عنهم غبار الكسل ، ويدعوا عنهم التواني والخمول والملل ؟!

النداء الثالث : إلى المسؤلين في إدارات الأوقاف
اتقوا الله فينا ، فإنَّا نرى في مساجد وجوامع عدة ، أئمة وخطباء على المذهب الصوفي ، والمعتقد الأشعري ، ونجد الحرج البالغ في الصلاة خلفهم ، إذ لا يحق للمبتدع – شرعاً – أن ينصب إماماً .

قال الشيخ ابن باز رحمه الله : “لا يجوز أن يتخذ المبتدع إماماً ؛ لأن هذا رفع لشأنه ، فلا يتخذ إمامًا بل يتحرى في الإمامة أهل الصلاح والاستقامة والسالمين من البدع ، هذا هو الواجب على المسئولين أن يتحروا للإمامة الرجل الصالح صاحب العلم والفضل والبعيد عن البدع ، لكن إذا وجد في المسجد إمام مبتدع ، بدعته غير مكفرة فالصلاة خلفه صحيحة ، والواجب إزالته وإبداله بغيره ، أما من كانت بدعته مكفرة كعبادة القبور الذي يعبد القبور ويستغيث بالأموات هذا لا تصح الصلاة خلفه ، لا تصح الصلاة في نفسه لكفره ، ولا تصح الصلاة خلفه”[فتاوى نور على الدرب (12/69-70)] .

وسئلت اللجنة الدائمة : هل تجوز الصلاة خلف الإمام المبتدع ؟ فأجابت : “من وجد إمامًا غير مبتدع فليصل وراءه دون المبتدع ، ومن لم يجد سوى المبتدع نصحه عسى أن يتخلى عن بدعته ، فإن لم يقبل ، وكانت بدعته شركية كمن يستغيث بالأموات أو يدعوهم من دون الله أو يذبح لهم فلا يصلى وراءه ؛ لأنه كافر ، وصلاته باطلة ، ولا يصح أن يجعل إمامًا ، وإن كانت بدعته غير مكفرة كالتلفظ بالنية ، صحت صلاته وصلاة من خلفه”[فتاوى اللجنة الدائمة
(7/364)] .

ووجه إليها سؤال آخر مشابه للسؤال السابق ، فأجابت : “وأما الصلاة خلف المبتدعة : فإن كانت بدعتهم شركية ؛ كدعائهم غير الله ونذرهم لغير الله واعتقادهم في مشايخهم ما لا يكون إلا لله من كمال العلم أو العلم بالمغيبات أو التأثير في الكونيات : فلا تصح الصلاة خلفهم ، وإن كانت بدعتهم غير شركية ؛ كالذكر بما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن مع الاجتماع والترنحات : فالصلاة وراءهم صحيحة ، إلا أنه ينبغي للمسلم أن يتحرى لصلاته إماماً غير مبتدع ؛ ليكون ذلك أعظم لأجره وأبعد عن المنكر ” .
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .[فتاوى اللجنة الدائمة (7/353) .

وإني أتساءل – وحق ذلك لي ولغيري – لماذا تم تعيينهم وهم على على هذه الحال ؟! أكان المسؤولون في الأوقاف جاهلين بحالهم ؟!
فإن كنتم -أيها المسؤولون- جاهلين بحالهم فهاكم بعض علامات أهل الابتداع ؛ فاعملوا بها لتعرفوا الكفء من غيره ، إن أردتم حمل الأمانة على وجهها الصحيح .

أقول : معرفة المبتدع تكون بالنظر في علامات واضحة تبدو عليه ،
منها : صحبة أهل الابتداع وموادتهم ، والتتلمذ عليهم .
ومنها : كره وبغض ونبز رموز أهل السنة ؛ كشيخي الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب ، وسماحة الشيخ ابن باز وفضيلة الشيخ ابن عثيمين عليهم جميعاً رحمة الله .
ومنها : نبز أهل السنة بألقاب ، كــ: “الوهابية” ، “المجسمة” .
ومنها : الثناء على رموز أهل البدعة ؛ كمحمد علوي المالكي ، والكوثري ، والجفري .
ومنها : حضور المنكرات البدعية ، كبدعة الاحتفال بالمولد النبوي .
ومنها : التصريح بانتمائهم إلى العقائد المخالفة ؛ كعقيدة الأشاعرة والماتريدية .
ومنها : التعصب للآراء وأقوال الآباء والأجداد ، ولو خالفت الدليل الصحيح الصريح .
ومنها : إذا سألته أين الله ؟! سكت ، أو قال لك : في كل مكان .
ومنها : إذا قلت له : من هم أهل السنة والجماعة ؟ قال لك : الأشاعرة أو الماتريدية .
ومنها : إذا قلت له : ما معنى :”لا إله إلا الله” ؟ تلكأ ، أو قال لك : هو الاعتراف بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت ، يقيدها بتوحيد الربوبية .

قال أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني رحمه الله تعالى : “وعلامات أهل البدع على أهلها بادية ظاهرة ، وأظهر آياتهم وعلاماتهم شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي صلى الله عليه وسلم ، واحتقارهم لهم واستخفافهم لهم ، وتسميتهم إيَّاهم حشوية وجهلة وظاهرية ومشبهة ، اعتقاداً منهم في أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّها بمعزل عن العلم ، وأنَّ العلم ما يلقيه الشيطان إليهم من نتائج عقولهم الفاسدة ، ووساوس صدروهم المظلمة …”[اعتقاد السلف أصحاب الحديث ، ص : (101)] .

وقال محمد بن عبيد الله الغلابي : “يتكاتم أهل الأهواء كل شيء إلا التآلف والصحبة”[الإبانة الكبرى (2/479)] .
قال معاذ بن معاذ: قلت ليحيى بن سعيد رحمهما الله : “يا أبا سعيد ؛ الرجل وإن كتم رأيه لم يخفَ ذاك في ابنه ، ولا صديقه ، ولا في جليسه”[الإبانة الكبرى (2/479)] .
وقال أبو حاتم الرازي رحمه الله : “قدم موسى بن عقبة الصوري بغداد ، فذُكِرَ لأحمد بن حنبل ، فقال : انظروا على مَنْ نزل ؟ وإلى مَنْ يأوي ؟ [الإبانة الكبرى (2/480)] .
أسأل الله الكريم بمنه وكرمه أن يُطهِّر بلادنا من البدع والمبتدعين ، وأن يهدي ضال المسلمين … إنه جَوَادٌ بَرٌ كريم ، وصلى الله وسلم على نبينا الأمين ، وعلى الصحابة والتابعين .

بقلم :
عبد الله بن ناصر بن عبد العزيز الناجم

Print Friendly

عن إدارة التحرير

شاهد أيضاً

مخاطر المشروع الإيراني الشيعي على الامة الإسلامية

Share this on WhatsApp Share this on WhatsApp

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *