الرئيسية > الصوفية > الصوفية شبهات > الرد على الجفري في بيان فساد استدلاله (الحلقة الثانية)

الرد على الجفري في بيان فساد استدلاله (الحلقة الثانية)

أوردت في الحلقة الأولى ثلاثة أوجه تبين فساد استدلال الجفري بآية سورة النساء على مشروعية إتيان قبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وسؤاله قضاء الحوائج…

 (الحلقة الثانية)

الوجه الرابع:

أن يقال: لو كان هذا صحيحاً، وكان هو المراد بالآية لكان أصحاب النبي وأنصار الله من المهاجرين والأنصار من أزهد الناس في هذه الفضيلة، ومن أقلهم عملا بها، والتفاتاً إليها… وذلك أنهم ـ قد تقدم هذا مرات ـ ما كانوا يرغبون في زيارة القبر الشريف… ولا كانوا يتدافعون إليها، ولا يعنون بها بعض العناية، بل ما صح عن أحد منهم زيارة القبر لا من الآفاق ولا من المدينة في ما نعلم إلا ما صح عن عبدالله بن عمر أنه كان إذا قدم من سفر زار وسلم وانصرف. لا يزيد على ذلك شيئاً. أما غيره كأبي بكر وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم من الأنصار والمهاجرين فلم ينقل عنهم بإسناد صحيح يقام له وزن أنهم كانوا يفعلون شيئاً من ذلك لا حين حضورهم من الأسفار والآفاق، ولا عند دخولهم المسجد للصلاة ولغيرها. وما صح عن أحد منهم أنه زار القبر أو وقف عنده أو طاف به، أو دعا لديه. وقد كانوا يدخلون المسجد النبوي في اليوم الواحد المرات، وكانوا يدخلون على أم المؤمنين عائشة حجرتها وفيها النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه. وما نقل عن أحد منهم بسند صحيح أنه فعل شيئاً من هذا الذي فعله عبد الله بن عمر فضلا عن الأشياء التي يفعلها هؤلاء المبتدعون والتي يدعون إليها الناس، بل لقد جاء نهيهم عن ذلك كما روى عبد الرزاق في مصنفه عن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أنه رأى قوماً عند القبر فنهاهم وقال قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني)). وروى سعيد بن منصور في سننه عن عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فناداني وهو في بيت فاطمة فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي. فقال: إذا دخلت المسجد فسلم. ثم قال إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( لا تتخذوا بيتي عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر. لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وصلوا علي حيث كنتم. فإن صلاتكم تبلغني)). ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. وروى أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن جعفر بن إبراهيمـ من ولد ذي الجناحين ـ عن علي بن عمر عن أبيه عن علي بن الحسين ـ زين العابدين ـ أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة عند قبر النبي فيدخل فيها فيدعو، فنهاه عن ذلك، وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله قال: (( لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً. فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم)).

 

 

وكما ورد في قول أبي إسحاق إبراهيم بن سعد قال: ما رأيت أبي يأتي قبر النبي قط، وكان يكره إتيانه. وسعد هذا من سادات التابعين وأعلامهم، وهو سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري. من ذلك قول عبيد الله بن عمر العمري لما حدثه معمر أن عبد الله بن عمر كان يزور قبر النبي إذا حضر من السفر وقبري صاحبيه، فقال عبيد الله بن عمر العمري: ما نعلم أحداً من أصحاب النبي فعل ذلك غير ابن عمر. وعبيد الله ابن عمر القائل هذه المقالة إمام كبير من أئمة التابعين. وتقدم قول الشعبي: لولا أن رسول الله نهى عن زيارة القبرو لزرت قبر ابنتي. وتقدم قول إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون زيارة القبور. وعن ابن سيرين مثله. وتقدم أن مالكا سئل عن زيارة القبور، فقال: قد نهى عنها رسول الله ثم أذن فيها، فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيراً لم أر بذلك بأساً. وتقدم قوله: إن زيارة القبور ليست من عمل الناس. وروى عنه أنه كان يضعف زيارتها. وتقدم أنه قيل له: إن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يقفون على القبر فيصلون عليه ويسلمون، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع ولا يصلح آخر الأمة إلا ما أصلح أولها. وتقدم قوله: ويكره ذلك إلا لمن جاء من سفر أو أراده. والإمام مالك يجيز ذلك لمن جاء من السفر ولمن أراده استدلالاً بفعل عبدالله بن عمر. أما غيره فلم ينقل عنه شيء من هذا. ومن ثم احتج المولعون بهذه الأمور بحكاية العتبي عن ذلك الأعرابي النكرة المجهول. ولو كان عندهم شيء من هذا العلم عن أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي أو غيرهم من الصحابة وأئمة التابعين لما احتاجوا إلى حكاية العتبي عن الأعرابي النكرة، ولما احتاجوا إلى الأحاديث الموضوعة مثل الرواية المعزوة إلى النبي صلى الله عليه وسلم القائلة ( من زار قبري وجبت له شفاعتي ). وقد كانت عائشة رضي الله عنها ساكنة في الحجرة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه، وما حفظ عنها أنها كانت تقف بالقبور وتدعو وتسلم وتزور. وكان الناس يزورونها في حجرتها ويدخلون عليها، وما جاء عنها أنها أشارت على أحد من زائريها بالزيارة للقبر والطواف به والدعاء والسلام عليه. فالصحابة لم يفعلوا ذلك، والتابعون لم يفعلوه، بل قد جاء عنهم كراهته والازورار عنه، لأنهم لم يجدوه من فعل الناس ولا من فعل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وناشري رسالته من بعده. فلو كانت الآية حثاً على زيارة القبر وترغيباً فيها لكان خيار الأمة وصحابة النبوة ومن تبعهم بالإحسان والإيمان من أعصى الخلق ومن أبعدهم وأنآهم عن هذه الطاعة وعن تلك الفضيلة. ولكن حاش لله أن يقال في خيار الأمة هذه المقالة. بل الصحابة أتقى الناس وأعلمهم بأوامر الله وأوامر رسوله، وأقومهم بما يجب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من التعظيم والاحترام والحب الصادق الصحيح. ولا خير في ما تركوه ورغبوا عنه من أمور الدين وعبادة الله.

الوجه الخامس:

لا خلاف بين الناس في أن هذه الآية قد نزلت في طائفة من الناس مقرعة لهم على إعراضهم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم رغبة عما عند الله وزهداً في النبوة والنبي صلى الله عليه وسلم. ولا خلاف في أن الآية لم تكن خطاباً عاماً لجميع الناس، ولا حضاً لهم كلهم على أن يأتوا الرسول صلى الله عليه وسلم. وقبل هذه الآية يقول الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ثم يقول: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً، فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً، وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً…)، ثم يقول بعد هذا: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً، وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً، وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً…).والآيات صريحة في أنها نزلت في طائفة من المنافقين دعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعتذروا إليه وليتوبوا من نفاقهم، وإساءتهم إليه فلم يفعلوا. وأصرح هذا قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً) وهو مثل قوله تعالى من سورة (المنافقون): (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ). وهذا لا يحتاج إلى زيادة تفصيل. فالآية نازلة في جماعة من المنافقين بلا ريب. فالذين يزعمون أنها عامة يلجأون إلى القياس لا إلى النص. فإذا كانت المسألة مسألة قياس قلنا لهم: وهو:

الوجه السادس:

إن القياس في هذه المسألة ـ خاصة ـ باطل، ولو كان كل قياس في الدنيا صحيحاً. وذلك أن القياس بالإجماع لا يكون صحيحاً مقبولاً إلا إذا اشترك المقيس والمقيس عليه في علة الحكم الثابتة للمقيس عليه التي زعم ثبوتها للمقيس، فزعم صحة إعطائه حكم المقيس عليه تحليلا وتحريماً، فلا يقاس محرم على محرم إلا إذا وجدت علة التحريم في الأمرين معاً: المقيس والمقيس عليه، ولا يقاس مستحب على مستحب، ولا واجب على واجب إلا إذا اشتركا في علة الاستحباب، والوجوب. وهذا ركن من أركان القياس لا معنى له بغيره. والقياس في المسألة التي معنا باطل لأن العلة في المقيس عليه مفقودة من المقيس فلا يصح أن يشتركا في الحكم. وبيان ذلك أن أولئك المنافقين قد أساءوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام باحتكامهم إلى الطاغوت وبامتناعهم من التحاكم إليه، وبصدودهم ورغبتهم عنه، وبعصيانهم إياه وليهم رؤسهم عند دعوتهم إليه إعراضاً وصدوداً عنه، وكفرانا به واحتقاراً له… فكان كفارة ذلك كله أن يتوبوا في أنفسهم، وأن يذهبوا إليه عليه الصلاة والسلام فيعتذروا ويتوبوا بين يديه تكفيراً لجرم إساءتهم إليه وجرم خروجهم على ربهم وشرودهم عنه، وليستغفروا لأنفسهم وليستغفر لهم الرسول صلى الله عليه وسلم لتقبل توبتهم وليغفر جرمهم العظيم… وهذا كله عنوان إقلاعهم عن نفاقهم وبراءتهم من كفرانهم.

            فهم في الحقيقة لم يلاموا على أنهم لم يجيئوا الرسول ولم يذهبوا إليه: ليس هذا هو وجه ضلالهم وسبيل نفاقهم، ولكن وجه ذلك وسبيله هو كفرهم المدلول عليه بإعراضهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدودهم عنه وتحاكمهم إلى الطاغوت، تاركين حكمه وشرعه وراء ظهورهم، غير حافلين ولا مبالين، نفاقاً منهم وارتداداً. وهذا لا ريب فيه. فهم إذاً لم يطلب منهم المجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيارة، ولا لأن المجيء إليه ذاته مطلوب… وإنما طلبت منهم التوبة، وطلب منهم الإيمان. وهم إذا كانوا يصدون عن رسول الله، ويتحاكمون إلى الطاغوت، ويعرضون عن حكمه، ويجفلون منه، فليسوا بمؤمنين ولا تائبين ولا مسلمين بلا شك. فالمجيء المطلوب منهم مجيء يحدوه الإيمان والتوبة والإخلاص لله ولرسوله. فهم مذمومون لأنهم منافقون غير مؤمنين وغير مسلمين، لا لأنهم لم يأتوا الرسول ولم يزوروه أو يزوروا قبره… فالمعنى في الآية الكريمة: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم تابوا واستغفروا وتخلوا عن ظلمهم وجرمهم وكفرهم، لوجدوا الله غفاراً لذلك كله… وهذه الآية مثل الآيات التي فيها قبول الله توبة التائبين مهما عظمت ذنوبهم وسيئاتهم وآثامهم. وإنما قيل في الآية: (جَاءُوكَ) لأن مجيئهم إياه عليه السلام بتلك الحال عنوان لإقلاعهم عما ليموا عليه، وبرهان التوبة والصدق والإخلاص. فالمجيء ليس مطلوباً إلا للتوبة ولإعلانها وإعلان الإسلام والإيمان والصدق فيهما. وإلا لو أنهم آمنوا وتخلصوا من نفاقهم ومما يحملون للإسلام وللنبي صلى الله عليه وسلم من العداوة والكراهة والبغضاء بالتوبة ثم لم يجيئوا الرسول عليه الصلاة والسلام، لا كراهة له ولا بغضاً ولكن لاشتغالهم بحياتهم وشئونها لَمَا لِيموا على ذلك ولَمَا طلب إليهم المجيء إلا إذا كانوا محتاجين للتعلم وأخذ دينهم عنه مباشرة، أو كانوا مطلوبين للجهاد بين يديه والدفاع عنه، أو نحو ذلك من الأغراض. ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يقول بعد فتح مكة: ( لا هجرة بعد الفتح، لكن جهاد ونية )… ومن الدليل على أن المجيء ذاته ليس مطلوباً ولا فضيلة، أنه تعالى ذكر المجيء في هذه الآيات ذامّاً له، منكره عليهم. وذلك في قوله تعالى: (ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً). وهذا ذم لأحد أفراد المجيء. وقال تعالى من سورة المنافقون: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) إلى آخر الآيات، وهذا ذم لهم على مجيئهم بتلك الحال الكاذبة المنافقة. وقال في ذم أحد أفراد المجيء: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ). ولا يصح الاستدلال بقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ) الآية على استحباب المجيء إلى رسول الله بعد موته، كما لا يصح الاستدلال بهذه الآيات المذكورة على ذم المجيء إليه حياً وميتاً. وإنما المدح والذم لما قارن ذلك بالضرورة والإجماع. وإذا صح للقوم أن يستدلوا بالآية التي نحن بصددها على استحباب مجيء قبر النبي صلى الله عليه وسلم ساغ لغيرهم أن يستدلوا بالآيات التي سقناها على كراهة المجيء إلى القبر. والاستدلالان في الحقيقة سواء.

    فالعلة في طلب مجيء أولئك المنافقين إلى الرسول هي إعلان توبتهم وإيمانهم وبرهان براءتهم من نفاقهم وضلالهم، ثم اعتذارهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنهم أساؤا إليه وتنقصوه، ثم تحاكمهم إلى شرعه وحكمه: هذه هي العلة في طلب المجيء منهم، وليست العلة هي الزيارة. وهذه الأمور مفقودة في زيارة المسلم القبر الشريف. فالعلة التي طلب من أجلها المجيء موجودة في المقيس عليه دون المقيس. فالقياس إذاً فاسد باطل. ولا يصح القياس حتى يزعموا أن العلة في طلب المجيء هي الزيارة. وهذا لا يقول به مسلم فضلاً عن طالب علم، فظهر بهذا أن الاحتجاج بالآية في مكان بعيد من الرشاد والسداد.

 

وإلى حلقة قادمة إن شاء الله تعالى…

بقلم: محمد الكليلي

alklele@alradnet.com

———————————-

شبكة الرد – 5 محرم 1426هـ – الموافق 14 فبراير 2005م

 

مواضيع ذات صلة:

الرد على الجفري ( الحلقة الأولى )

 

 

شاهد أيضاً

المعنى المُجَرّد

مقال يتحدث عن خطورة استخدام المعاني المجردة في الطرح الفكري و الثقافي والمعنى المجرد كقولك …

بشرى عكاظ والتشكيك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم

بشرى عكاظ والتشكيك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم كتبت بشرى السباعي مقالا في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *