الرئيسية > السحر والشعوذة > الرقاة بين الكرامات وخوارق العادات

الرقاة بين الكرامات وخوارق العادات

شاع بين بعض الرقاة الاستعانة بالجن أو قبول إعانتهم في تشخيص أو علاج الحالات، ولا يفرقون في ذلك بين الجن المسلمين والكفار، وعمدتهم في ذلك حديث أبي هريرة لما جاءه الشيطان على صورة آدمي يحثو من طعام الصدقة.. حتى أوصاه بقراءة آية الكرسي ……

 

 

 

 

شاع بين بعض الرقاة الاستعانة بالجن أو قبول إعانتهم في تشخيص أو علاج الحالات، ولا يفرقون في ذلك بين الجن المسلمين والكفار، وعمدتهم في ذلك حديث أبي هريرة لما جاءه الشيطان على صورة آدمي يحثو من طعام الصدقة.. حتى أوصاه بقراءة آية الكرسي وقال فإنه لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال (صدقك وهو كذوب) رواه البخاري برقم 3275. فيقولون: ما المانع من الاستفادة من الجن في إعانتهم لنا في تشخيص أو علاج الحالات فإن هذا يختصر الوقت والجهد.. وبعضهم يسند إلى كلام شيخ الإسلام في مشروعية الاستعانة بالجني المسلم في العلاج. وقد فهموا كلام شيخ الإسلام خطأ، فكيف تعرف أيها الراقي أن هذا الجني مسلم أو كافر خاصة أن الجن من عالم الغيبيات؛ فهم يرونا ولا نراهم؟ ثم إن الجن المتلبسين بالإنس الأصل فيهم الكذب والظلم والاعتداء، فكيف تستعين بالظلمة والمعتدين على علاج المسلمين.

فالاستعانة بالجن حتى ولو ادعوا الإسلام لا تجوز.. ومما يدل على ذلك:

1 – عدم ورود الاستعانة بالجن عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه سُحر، فقد سحره لبيد بن الأعصم في مشط ومشاطة، وكذلك لم ترد عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود أمراض الصرع والعين والسحر في زمنهم.

2 – أن الغالب في طبيعة الجن الظلم والاعتداء، فتجدهم يعتدون على من لم يتعرض لهم من الأنس ويتلبسون به ويؤذونه ويظلمونه ويحرمونه عافيته ويفرقون بينه وبين زوجه.. فكيف يخدمونك وهم يعلمون أنك تحاربهم وتقتلهم وتحرقهم وتؤذيهم بالقرآن؟.

3 – أن الاستعانة بالجن تعلق قلب الراقي بهم فلا يستطيع الاستغناء عنهم في علاج الحالات حتى يصل الأمر إلى وأد التوحيد وقتل التعلق بالله في النفوس والاعتماد على الشياطين في تشخيص الحالات متجاهلين قاعدة سد الذرائع التي من أهم مقاصدها حفظ جناب التوحيد وقاعدة الغاية لا تبرر الوسيلة، فمهما كانت الغاية جميلة ومحمودة في الشرع كغاية نفع الناس وطلب شفائهم إلا أنها لا تبرر أن يتخذ المكلف وسيلة محرمة أو مفضية للشرك؛ ما يؤدي إلى الإخلال بجناب التوحيد.

4 – لا حاجة للجن في إعانة أحد من الإنس إلا بمقابل، فالساحر يقدم لهم القرابين والتعبد ويقوم بوضع النجاسات على القرآن الكريم امتهاناً له وتقرباً للشياطين.. فماذا سيجدون منك أيها الراقي حتى يساعدوك في تشخيص الحالات وعلاجها؟!.

5 – أن في الاستعانة بالجن أو قبول إعانتهم تشبها بالسحرة والمشعوذين، بل من أعظم أبواب التشبه، فالسحرة لا يتمكنون من علاج حالاتهم إلا بمعاونة الجن ومساعدتهم وبغير ذلك لا يستطيعون، أما أنت أيها الراقي فقد حباك الله قرآنا عظيماً جعله الله شفاء ورحمة للمؤمنين، فلِمَ تلجأ إلى هذه الأساليب المخالفة للشرع والمفضية للشرك؟.

وعلى أي حال لو كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه قد افتى بمشروعية الاستعانة بالجن فإنما هو بشر يخطئ ويصيب والعمدة في ذلك بما جاء في الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة.

وقد اخترت باقات جميلة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تبين لمن أراد الحق أنه لا يقصد مشروعية الاستعانة بالجن ومن ذلك ما ذكره عمن تكون لهم خوارق للعادات – شيطانية – قال رحمه الله (ولما كانت الخوارق كثيراً ما ينقص بها درجة الرجل، كان كثير من الصالحين يتوب من ذلك ويستغفر الله تعالى، كما يتوب من الذنوب كالزنى والسرقة وتعرض على بعضهم فيسأل الله زوالها، وكلهم يأمر المريد السالك ألا يقف عندها ولا يجعلها همته، ولا يتبجح بها، مع ظنهم أنها كرامات فكيف إذا كانت بالحقيقة من الشياطين تغويهم بها؟ أعرف من يخاطبه النبات بما فيها من المنافع وإنما يخاطبه الشيطان الذي دخل فيها، ومنهم من يخاطبه الحجر والشجر، وتقول: هنيئاً لك يا ولي الله، فيقرأ آية الكرسي فيذهب ذلك وأعرف من منهم يقصد طيد الطيور، فتخاطبه العصافير وغيرها وتقول: خذني حتى يأكلني الفقراء، ويكون الشيطان قد دخل فيها، كما يدخل في الأنسي، ويخاطبه بذلك ومنهم من يكون في البيت وهو مغلق فيرى نفسه خارجه وهو لم يفتح، وبالعكس، وكذلك في أبواب المدينة وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة، أو تريه أنواراً، وتحضر عنده من يطلبه، ويكون ذلك من الشياطين يتصورون بصورة صاحبه فإذا قرأ آية الكرسي مرة بعد مرة ذهب ذلك كله) انتهى كلامه رحمه الله.

ثم ذكر – رحمه الله – ضابطاً مهماً للتفريق بين الكرامة وخوارق العادات فذكر أن كرامات الأولياء لا بد أن يكون سببها الإيمان والتقوى، أما ما كان سببه الكفر والفسوق العصيان فهو من خوارق أعداء الله، لا من كرامات أولياء الله، فالكرامات للأولياء الذين يشهد الناس بصلاحهم وتقاهم وورعهم، أما أهل المعاصي والفسوق ومخالفو سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم فمن أين لهم كرامات الأولياء؟!.

وهنا مسألة قد تخفى على بعض الرقاة وهي أن الشياطين قد تظهر التأثر وتخرج الأعراض واضحة جلية عند الرقية بالطرق البدعية أو الشركية، أما عند الرقية الشرعية فإنها تتحمل أشد التحمل ولا تظهر التأثر.. والمقصود من ذلك فتنة الراقي والمرقي عليه، فإذا ذهب المريض إلى الراقي الذي يرقي بالطرق البدعية التي تتضمن استعانة بالشياطين سرعان ما يصرح الممسوس ويتكلم المس على لسانه فيقتنع المريض بهذا الراقي الخرافي ويترك الراقي الشرعي، وهذا أعظم مقصود للشيطان المريد من إضلال العبيد واستدراجهم إلى طريق النار وبئس المصير.

وفي ذلك أيضاً إضلال للراقي واستدراجه إلى الطرق البدعية والخرافة فتجده يتحول من الرقية الشرعية المشروعة إلى الرقية المحرمة، وينتقل من السنة إلى البدعة ويتغير بدلا من أن يكون حرباً على الشياطين يكون ولياً وأعظم من ذلك قد يرتد عن الإسلام لخدمة الشياطين وتقديم القرابين لهم حتى تخدمه وتظهر الأعراض وتساعده في تشخيص الحالات بأساليب عديدة فلا يستطيع الاستغناء عنهم في تشخيص الحالات مما يضطره إلى تقديم القرابين لهم ليخدموه.

والمسألة الثانية.. تجد أكثر من يستعين بالجن ممن قل حظهم في العلم؛ فهم للجهل أقرب فضروا أنفسهم وأضروا غيرهم، ولنا في قصة العابد والعالم أبين مثال وأظهره حيث إن العابد الجاهل يضر نفسه وغيره، أما العالم فيحمي نفسه ويرشد الآخرين إلى الصواب، وكذلك الراقي الجاهل فإنه وإن نفع الناس في باب إلا أنه يضر نفسه والآخرين بجهله.

وقد صدرت فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برقم 20361 في 14-4-1419هـ، تضمنت سؤالاً عن حكم الاستعانة بالجن في معرفة العين أو السحر وكذلك تصديق الجن المتلبس بالمريض بدعوى السحر والعين والبناء على دعواه فأجاب العلماء الفضلاء بما نصه (لا تجوز الاستعانة بالجن في معرفة نوع الإصابة ونوع علاجها لأن الاستعانة بالجن شرك.

قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا}(6)سورة الجن. وقال تعالى: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ}(128) سورة الأنعام.

ومعنى استمتاع بعضهم ببعض أن الإنس عظموا الجن وخضعوا لهم واستعاذوا بهم، والجن خدموهم بما يريدون وأحضروا لهم ما يطلبون، ومن ذلك إخبارهم بنوع المرض وأسبابه مما يطلع عليه الجن دون الإنس وقد يكذبون فإنهم لا يؤمنون ولا يجوز تصديقهم).

وأرى أنه من المناسب أن أختم بكلام جميل لأحد المصنفين في هذا المجال حيث قال: (وأطرح هنا تساؤلا لمن يستعين بالجن قد يزيل الغشاوة ويبين المقصود: من أنت حتى تنقاد لك الجن تأمرها وتنهاها، تنفذ طلباتك وتسارع إلى مرضاتك؟ هل أنت نبي وهذه معجزتك؟ أو ولي وهذه كرامتك؟ أم ساحر أو كاهن وهذه مخرقتك؟ أم أنك مريض وتحتاج من يعالجك؟ أم أنك إنسان عادي يرى الجن أحياناً كما يراهم أي إنسان متصورين إما ببشر أو حيوان أو غير ذلك مصادفة دون طلب لهم ودون استعانة بهم!.

فأي هذه الأقسام أنت؟ فأنت بالطبع لا تدعي أنك نبي، ونحسن بك الظن فلست ساحراً أو كاهناً، وتنفي عن نفسك أن تكون مريضاً، فهل أنت ولي؟!.

أخي الحبيب، الولي لا يسعى إلى الكرامة ويطلبها، ولا يظهرها أمام الناس مرات ومرات في اليوم الواحد ليكشف الحالات والأمراض ويخبره الجن عن العلل، بل الولي الحق يخشى من الكرامة ويظنها استدراجاً ويخفيها ولا يعلق قلبه بها، فأخشى أن تكون مريضاً ممسوساً وأنت لا تعلم أو أنه استدراج من الشيطان كما ذكر ذلك الشيخ عبدالله بن قعود – حفظه الله – عندما عرضت عليه هذه المسألة).

أسأل الولي الكريم أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وأن يجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يرزقنا الإخلاص في أعمالنا، والتقوى في سرنا وعلانيتنا.. وبالله التوفيق.

 

 

 

 

 

بقلم: إبراهيم بن عبد الرحمن الموسى

المرشد الديني بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة الرياض

 

 

 

 

——-

 الأربعاء 12 محرم 1428هـ الموافق 31/1/2007م

المصدر: (صحيفة الجزيرة) الجمعة 07 محرم 1428   العدد  12538

 

عن إدارة التحرير

شاهد أيضاً

يعلمون الناس السحر – للشيخ عادل المقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *