على سؤال فحواه: ما هو حكم الصلاة في المسجد الذي فيه ضريح؟ أجاب الشيخ (علي جمعة) مفتي مصر بأن الصلاة في هذا المسجد جائزة. إلى هنا والقصة تبدو طبيعية، فالشيخ عالم أزهري مجتهد، ومن حقه أن يخالف غيره في اجتهاده. غير أن الذي أثار استغرابي فعلاً هو أنه أرجع سبب تحريم الصلاة في هذه المساجد إلى الحركة الوهابية، وقال: إن مبرر الوهابيين في ذلك هو الخروج على الخلافة العثمانية!. أي أن الوهابيين جعلوا من بناء الخليفة العثماني للمساجد على القبور حجة لتكفيره، ومن ثم الخروج عليه. فالمبرر في نظر فضيلة المفتي لا يرجع إلى أسباب دينية، ولكنه يعود – كما يدعي – لمبرر سياسي محض!. ثم أضاف إلى هذه الطامة، طامة (تخوينية) كبرى، وهي قوله بالنص: (وخرجوا على الدولة العثمانية، وتعاونوا مع الإنجليز والفرنساوية)!.

وأنا هنا لن أناقش الشيخ في وجهة نظره حول الصلاة في المساجد التي فيها أضرحة، فهناك من هم أعلم مني في هذا الشأن، وأقدر مني على تفنيد حججه؛ كما لن أتحدث عن تلك اللغة المتدنية، والعامية الساخرة، التي كان يجب أن ينأى بمقامه ونفسه عنها، طالما أن الحديث يتعلق بأمر من أمور الدين، غير أن الكتاب لا يُقرأ من عنوانه فحسب، وإنما من لغته أيضاً، ولله في خلقه شؤون!.

أما الذي يهمني في كلام المفتي المصري فهو الجزئية المتعلقة بالخروج على الخلافة، والتعاون مع الإنجليز والفرنسيين، وما كان هذا الاهتمام فقط لأنه يفتقر إلى الدقة التاريخية إلى درجة التدليس، بقدر ما هو – أيضاً – لأسباب موضوعية وكذلك وطنية؛ فالوهابية كانت هي الأساس الذي قامت عليه وحدة هذه البلاد، فشرعية التأسيس هي وهابية بالإجماع، وشرعية الاستمرار – في تقديري – تعود الى الإنجاز بكافة صوره.

وإذا حاولنا تحليل كلام المفتي في هذه الجزئية، فإننا سنخلص بأنه يترتب على كلامه: أن الخلافة العثمانية كانت هي القوة المسيطرة على منطقة نجد (منطلق الحركة الوهابية)، وأن الوهابيين جاؤوا، أو تمسكوا بفكرة تحريم الصلاة في المسجد الذي فيه ضريح، بغرض تكفير هذه السلطة والخروج عليها.

وهذا زعم لا أساس له من الصحة. فالعثمانيون – كما يعلم أي قارئ مبتدئ للتاريخ – لم يكونوا مسيطرين على منطقة نجد، ولم يكن ذلك الحيز الجغرافي من الوطن العربي داخل ضمن نفوذهم العسكري أو السياسي أو الاقتصادي، بل كانت هذه المنطقة – في ذلك الحين – عبارة عن إمارات ومراكز قوى مستقلة، حتى جاء الإمام محمد بن عبدالوهاب وتحالف مع الإمام محمد بن سعود، وأخضعا المنطقة لسلطة الدولة السعودية الأولى، ثم توسعت هذه الدولة حتى خرجت من النطاق النجدي وشملت أغلب أرجاء الجزيرة العربية.

إذن فلا حاجة لأن يبحث الوهابيون عن مبرر لتكفير الدولة العثمانية كي يبنوا دولتهم المستقلة، ذلك لأنه لا وجود للعثمانيين من الأساس في منطقة نجد، وإذا زال المسبب بطل السبب كما هو معلوم.

وإذا استبعدنا هذا الاحتمال الذي يتبناه فضيلة المفتي لعدم واقعيته، فضلاً عن أنه لا يمت لتاريخ هذه الحركة بأية صلة، نستطيع القول بشيء من العلمية الموثقة تاريخياً، أنهم جمعوا بين إيمانهم الديني ووعيهم وطموحهم السياسي، فانطلقوا لتصحيح معتقدات الناس، وفي الوقت ذاته ضم أقاليم الجزيرة العربية إلى دولة واحدة تؤمن بمبادئ الدعوة.

أما ما ادعاه المفتي عن علاقة الوهابيين بالإنجليز والفرنسيين، وتوظيفهم لهذه العلاقة في خروجهم عن الدولة العثمانية، فهو أيضا زعم واه، ومتهافت، يعوزه الدليل، فالإنجليز والفرنسيون لم يكن لهم أي اتصال بالدولة السعودية الأولى بأي شكل كان؛ كما أن هذه الدول، وبالذات البريطانيين، لم يكن من صالحها – في ذلك الوقت – تفتيت الخلافة العثمانية. والشيخ يعرف بالتأكيد من قراءته للتاريخ المصري، على افتراض أنه يقرأ التاريخ، أن محمد علي باشا و الي مصر في ذلك الزمان، وهو تابع رسمي للدولة العثمانية، قام بالخروج على الدولة العثمانية، وحاربها حرباً ضروساً، حتى اضطر الخليفة العثماني أن يستنصر بالقوات الروسية لحماية الدولة العثمانية من جيش محمد علي باشا بعد معركة (قونية) عام 1833، والتي هزم فيها الجيش المصري جيش العثمانيين، وبالفعل وصل الأسطول الروسي إلى البوسفور بغرض حماية الخلافة العثمانية من (واليها) الثائر، وتدخلت أوروبا بكل طاقتها لوقف الزحف المصري على عاصمة العثمانيين، مما دفع بمحمد علي باشا لأن يحاول الاكتفاء بطلب الاستقلال الكلي عن الدولة العثمانية، وأن تكون حدود دولته المستقلة في كل المناطق التي بلغتها جيوشه، غير أن مصالح أوروبا، وفكرة توازن القوى لم تكن تسمح بتقسيم الرجل المريض في ذلك الحين، وقفت في وجه هذا المشروع بقوة.

من هذا العرض نخلص بما يلى:

أولاً: الدولة السعودية الأولى بدأت من الصفر ولم تكن المناطق التي بدأت منها وحدتها راضخة للعثمانيين.

ثانياً: أن الدولة السعودية الأولى لم يكن لها أي اتصال أو مصالح مع الإنجليز أو الفرنسيين، بل على العكس من ذلك كان الإنجليز مستائون من سطوة القواسم الوهابيين على مصالحهم في الخليج.

وفي ذلك يقول محمد جلال كشك في كتاب السعوديون والحل الإسلامي: (كانت حكومة الهند تتابع باهتمام بالغ أنباء الدولة السعودية والأحداث المتعاقبة بعد غزو إبراهيم باشا وسقوط الدرعية فقررت إرسال “سادليير” لداسة الموقف، وقد حددت المذكرة السرية التي كلف بها سادليير بالمهمة واجباته في 15نقطة). وأهم ما يعنينا من هذه النقاط:

أ – بحث إمكانية التنسيق للقضاء على الوهابيين.

ب – التعرف على نوايا إبراهيم باشا المقبلة بعد إخضاعه للساحل العربي.

ج – إذا كان إبراهيم باشا ينوي استئصال القواسم (الوهابيين) فما هي المساعدة التي يمكن أن نقدمها له من خلال أسطولنا وقواتنا؟

ويعلق الأستاذ كشك بعد ذلك ويقول: (فهي مهمة تجسس بريطانية ودراسة للوضع وإعداد لحملة استئصال الوهابيين وبالذات القواسم).

ثالثاً: أن مصر كانت تابعة رسمياً للدولة العثمانية، بل أن واليها – الألباني الأصل – محمد علي باشا لم يأت إليها إلا عن طريق الجيش العثماني، وكانت ولايته على مصر بمباركة العثمانيين، وكانت تبعيته لهم رسمية، ومع ذلك خرج عليها وحاربها وكاد أن يهدمها، لولا أن الخليفة اضطر للاستصراخ بأعدائه في الأمس كي يقفوا بوجه (عامله) الذي خرج عليه. أي أن زعم المفتي في (شجب) خروج السعوديين على العثمانيين ينطبق عليه المثل القائل: رمتني بدائها وانسلت!.

رابعاً: محمد علي باشا كانت له اتصالات واسعة مع الإنجليز والفرنسيين والروس، ومن ذلك مثلاً ما قاله المؤرخ الوطني المصري الشهير عبدالرحمن الرافعي عن أن ابراهيم بن محمد علي باشا في حملته على معقل الوهابية في الدرعية: (استعان بخبرة الأوروبيين في الحروب فاصطحب معه في الحرب الوهابية طائفة من الإفرنج منهم الضابط الفرنسي فيسيير أحد ضباط أركان الحرب، وهذا أمر لم يكن مألوفاً ولا سائغا بين قواد الشرق في ذلك العهد)!. والمسألة التي تستحق البحث – حقيقة – هي عن أثر هذه الاتصالات في خروجه على العثمانيين، وهل كانت المسألة برمتها فخاً سار فيه الباشا؟ أم أنها كانت خطة للضغط على العثمانيين؟ أم أن المسألة كما تبدو على ظاهرها مجرد محاولة للخروج على الدولة؟

وبمناسبة كون المفتي مهتما بدراسة العلاقات مع الإنجليز والفرنسيين في تلك الفترة، فليته يبحث لنا ويحدثنا عن احتلال هاتين الدولتين لمصر، وكيف كان الناس يتعاملون مع هذا الاحتلال، ومن كان من العلماء الأزهريين (الأبطال) في مواجهتهم، خصوصاً في وقت ثورة القاهرة على الفرنسيين. وفي المقابل، ليته يحدثنا أيضاً عن (خيانات) ضعفاء النفوس في تلك الفترات القاحلة، ويستخلص لنا من هذه القصص الدروس والعبر، وليبدأ لنا بذكر قصة الشيخ البكري وابنته على سبيل المثال لا الحصر، في هذه القصص فائدة للأمة، خصوصاً أن الشيخ – حفظه الله – مهتم بقضاياها، فهو يعيب – مثلاً – في شريطه المذكور على علماء الوهابية بأنهم لا يدعون لإخوانهم في العراق وفلسطين، ورغم أن هذا الزعم غير صحيح، يعرف عدم صحته كل مصل بالمساجد السعودية، إلا أنه على كل حال يدل على غيرة وحرص على الإسلام والمسلمين.

وبمناسبة هذه الغيرة وما رافقها من حمية للأزهر، فليت شيخنا الفاضل يحدثنا – ايضاً – عن قصة استقبال شيخ الأزهر للسفير الإسرائيلي وحاخام إسرائيل الأكبر وما رأيه في هذه الزيارة؟

وليحدثنا فضيلته عن أساتذة الأزهر الذين سافروا إلى إسرائيل!!، وتعاونوا مع جامعاتها، مثل: د. نبيل ذكر الله الأستاذ بكلية طب الأزهر، ود. رضا محرم الأستاذ بهندسة الأزهر، ود. عبد الموجود عبدالفضيل الأستاذ بكلية أصول الدين، ود. عبدالصبور فاضل الأستاذ بكلية اللغة العربية، وغيرهم من أساتذة الأزهر (الذين لم يجدوا حرجاً من السفر إلى الكيان الصهيوني في مخالفة واضحة لكل الأصول الشرعية وقرارات اتحاد الجامعات العربية بمنع التعاون الأكاديمي مع إسرائيل) (عبدالرحمن سعيد/ مجلة السنة/ العدد 111).

ويبقى التأكيد على أن دفاعنا عن الوهابية لا يعني بأنها حركة منزهة عن الأخطاء والمثالب، ومن المؤكد أنه توجد فئة غير قليلة من السعوديين ترى أن الوهابية ليست فوق النقد، متى ما كان هذا النقد موضوعياً وعلمياً وموثقاً ودقيقاً، أما إذا كان الكلام عن الوهابية لمجرد السخرية والتطاول، فهذا وبكل المعايير يكون أمراً غير مقبول، ولا أظن أن إخواننا العقلاء في مصر يرضونه أيضاً.

إن الوهابية هي التي حققت لهذه البلاد وحدتها بعد طول تشتت وتحزب وتحارب وصراع، والوهابية هي الحركة الدينية الوحيدة في العالم العربي التي بنت دولة مستقلة، والوهابية هي الحركة الدينية الوحيدة التي حققت وحدة سياسية بين خمسة أقاليم عربية في دولة واحدة اسمها اليوم المملكة العربية السعودية.

وأكبر مثال على ذلك أنه حين غزاهم إبراهيم بن محمد علي باشا كانوا كلهم وكما قال شاعرهم، فيصل بن سعود بن عبدالعزيز:

لا أصلح الله منا من يصالحكم

حتى يصالح ذئب المعز راعيها

ولم تسقط الدرعية إلا بعد أن سقطت الأرض من دماء أبنائها حتى ارتوت، وبعد حصار مرير وطويل، وكتب التاريخ تزخر بقصص البطولات التي سطرها الوهابيون في دفاعهم عن دولتهم وفي معاركهم مع طوسون وأخيه إبراهيم، تلك المعارك التي لم تنته إلا بانبعاث الدولة السعودية ثانية على يد الإمام تركي بن عبدالله، وثالثة على يد الملك عبدالعزيز.

وتحدثنا كتب التاريخ أن أول من سفك دمه دفاعاً عن الدرعية هم العلماء الوهابيون أنفسهم، وليس من المستغرب أن تكون الوهابية بهذه العملية والقوة مقارنة بغيرها، وذلك لأنها في الأساس حركة إصلاحية قامت على محاربة الخرافات وفكر الكرامات والخوارق، ولم تكتف بأي حال بالتواكل، لذا جاءت برجال تمكنوا من توحيد الجزيرة العربية كافة.

ولقد أنصف المفكر العربي المعروف محمد عابد الجابري الوهابية حين جعل من نشأتها (بداية) تاريخ النهضة العربية الحديثة، فلا نهضة مع الخرافة، ولا رجاء في تطور من يؤمنون بالخوارق والكرامات ويعتمدون على التواكل ويتجاهلون العمل. نعم نحن لسنا مع الغلو بكافة صوره، سواء كان وهابياً، أو أزهرياً (على غرار الفتاوى الأزهرية ضد طه حسين وعلي عبدالرازق مثلاً)، ولكن هذا لا يعني وبأي حال بأن نجعل من غلو البعض مبرراً في الطعن بالكل، ولو كان الأمر كذلك لطعن الفرنسيون بثورتهم، وشكك الأمريكيون باستقلالهم، ولما بقي بين أمم الأرض تاريخ تفخر وتزهو به.

ويبقى في نهاية المطاف تساؤل عن الأبعاد – الحقيقية – التي دفعت بمفتي مصر لقول مثل الكلام اللامسئول عن تاريخنا وبلادنا؟

ولقد اضطررت إلى ايراد هذه المعلومات التاريخية توضيحاً لما قد يلتبس في أذهان العامة من أن ما ذكره الشيخ الدكتور علي جمعة والذي نكن له جميعاً كل احترام وتقدير كعالم جليل هو الواقع الذي سارت عليه الدعوة الوهابية كحركة مقاومة سياسية فقط وليست حركة إصلاح ودعوة لمجتمع بأكمله كان يعاني انتشار البدع والخرافات التي أبعدت ابناءه عن الدين الصحيح.

ويبقى رأي فضيلة مفتي مصر الشيخ علي جمعة رأياً شخصياً لا يمكن بأي حال من الأحوال ان يؤثر في عمق العلاقات والروابط التي تجمع بين الشعبين الشقيقين السعودي والمصري خاصة ونحن نعرف وقفاتهما الثابتة والموحدة ضد كل من يسعى للنيل من ثوابتهما الدينية والاجتماعية.