الحمدُ لله، والصلاةُ والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فقد كَـثُـرَ التداول في مثل هذه الأيام المباركة -أيام حَجِّ بيت الله الحرام- عبر وسائل التواصل لقصيدة للشاعر اليمني عبد الرحيم البرعي، وهو من شعراء القرن الثامن الهجري، ويُذكر أنَّه قال هذه القصيدة بعدَ أن اشتدَّ عليه المرضُ في آخر حياته، وهو في طريقه إلى مكَّة في رحلة الحجِّ، وأنَّـه لفَظَ أنفاسَهُ بعدَ آخرِ بيتٍ من هذه القصيدة، ومَطلعُها:
يا راحلين إلى منىً بقيادي هَيَّجتُمُوا يومَ الرَّحيل فُؤادي
وهذه القصيدة مُثبتـةٌ في ديوانهِ المطبوع (ص213)، وتُعَدُّ من أَشْهَرِ قصائده، إلا أنه حصل في هذه القصيدة المتداولة -عبـرَ وسائل التواصل- شيءٌ من التصرُّف بتعديلٍ لبعضِ الألفاظ، والحَذْف لبعضِ الأبيات المشتملة على مُخالفات شرعية.

ومن المؤاخذات على هذه القصيدة:
1- قوله: (فإذا وصلتُم سالمين فبَلِّغوا .:. مِنِّي السَّلامَ إلى النبيِّ الهادي):
هذا الإبلاغ للسلام عملٌ غيرُ مَشروعٍ، ولا أصلَ له في المأثورِ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا في عملِ السلف الصالح، ويُغني عن ذلك ما ورد في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن لله تعالى ملائكةً سيَّاحين في الأرض يُبلِّغوني من أمتي السلام»، رواه أحمد، وسنده صحيح.

2- قوله: (مَنْ نالَ مِن عرفات نظْرَةَ ساعةٍ .:. نالَ السُّرُورَ ونالَ كلَّ مُرادي):
في هذا البيتِ مِنَ التَّعلُّقِ بالبِقاع ما لا يَخفى، وإن أُريد الوقوفُ بعرفات فَـنَـيلُ السُّرور إنما هو بحَسَبِ حال الواقف بها إخلاصًا وصِدقًا وحُسنَ إقبال.

3- قوله: (تالله ما أحلى المبيتَ على منىً .:. في ليلِ عيدٍ أبرك الأعياد):
المشروعُ للحاج ليلة عيد الأضحى المَبِيتُ بمزدلفة، وهو من واجبات الحجِّ، وإنما رُخِّص للضَّعفة الدَّفعُ منها إلى منى بعدَ نِصفِ الليل.

4- قوله: (ضَحوا ضحاياهم وسال دِماؤها .:. وأنا الـمُتَـيَّم قد نَحرتُ فؤادي):
هذا من مبالغات الشُّعراء، وكما قيل: (أعذبُ الشِّعر أكذبه)، وإلا فإنَّ المشروع لعموم المسلمين في أقطار الأرض التقرَّب إلى الله يوم الأضحى وأيام التشريق الثلاثة بذبح الأضاحي لا بِنَحر الفؤاد.

5- قوله: (لَبِسُوا ثياب البيض شارات الرِّضا .:. وأنا من أجلِهم لبست سوادي):
لُبسُ السَّواد عند الحزن والمصيبة من البِدَع المُحْدَثة، والمَشروع عند المصيبة التَّجلُّد والصبـرُ والرِّضا، لا إظهار الحزن بلبس سوادٍ أو غيره.

6- قوله: (يا ربِّ أنت وصلتَهم وقطعتني):
ليس كُلُّ من حجَّ البيتَ نالَ الوِصال، ولا كُلُّ من لم يحج مقطوعٌ، بل ربَّما غيرُ حاجٍّ خيرٌ من عددٍ من الحجاج، والمَرَدُّ في ذلك إلى الإحسان في العمل، والصِّدق مع الله فيه، وإخلاصه لله وحده.

7- قوله: (فَبِحَقِّهم يا ربِّ حُلَّ قيادي):
هذا توسُّلٌ مُحْدَثٌ غير مشروع؛ فإنَّ الله تعالى يقول: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)، ولم يقلْ سبحانه: فادعوه بحقِّ فلان، أو بِجاه فلان، أو بحقِّ بيته العتيق أو بحقِّ حجاج بيته ونحو ذلك، وقد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ»، ومنه هذا التوسُّل؛ فإنَّه لم يَرِد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا عن الصحابة -رضي الله عنهم-.

8- قوله: (بالله يا زُوَّار قبرَ محمَّدٍ):
شَدُّ الرِّحال لزيارة القبور مُحرَّمٌ لا يجوز، وإنَّما المشروع شدُّها لزيارة المساجد الثلاثة خاصة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»، متفق عليه، وإذا زار المسلمُ المسجد النبوي زار قبره -صلى الله عليه وسلم-، وقبري صاحبيه.

9- قوله: (يُبلغ إلى المختار ألف تحيَّة):
هذا عملٌ غير مشروع كما تقدَّم التنبيهُ عليه.

10- قوله: (مِن عاشقٍ مُتفتِّتُ الأكباد):
العِشقُ هو المحبة المُفرطة الزائدة عن الحدِّ الذي ينبغي، وهو مذمومٌ مُطلقًا، ولفظه في العُرفِ إنما يُستعمل في محبة الرجل لامرأةٍ، ولا يليق استعماله في محبة الله أو الأنبياء أو الصالحين.

11- قوله: (قولوا له عبد الرحيم مُتَـيَّمٌ):
أي: بِحُبِّك، والتَّـتَـيُّم التَّعبُّد، قال في (الصِّحاح): (تيمُ الله: أي عبد الله، وأصلُهُ مِن قولهم: تيَّمَهُ الحبُّ؛ إذا عَبَّدَهُ وذلَّله)، وشعرُ الناظم الآتي شاهدٌ على هذا التَّـتيُّم والتَّعبُّد، نسأل الله العافية.

ثم إن الناظر في ترجمة ناظِمها عبد الرحيم البُرعي يَجِدُ أنه شاعرٌ مُتصوِّفٌ، له أبيات فيها غُلُوٌّ وإطراءٌ للرسول -صلى الله عليه وسلم-، بل وفيها دعاءٌ له، واستِغاثَةٌ به مِن دون الله عز وجل، ومِن الأمثلة على ذلك قوله:
ماذا تـُعامِل يـا شمسَ النُّـبُــوَّةِ مَن    أَضحى إِليك مِنَ الأشواقِ في كَـبَـدي
فامْنَعْ جنابَ صَريعٍ لا صَريخَ له    نائِـي المـزارِ، غَريـبَ الـدَّار مُـبـتَـعِـد
حـليـفَ وُدِّكَ واهِ الـصَّبر مُنـتَـظـرٌ    لغـارَةٍ مـنك يـا رُكْـنـي ويـا عَـضُدِي
أسيـرُ ذنـبـي وزَلاتِـي ولا عَـمَلٌ    أَرجُـو الـنَّـجـاةَ بـه إِن أنـت لـم تَـجُد
إلى أن قال:
وحُلَّ عُقدَةَ كَـربي يا محمد مِن    هَمٍّ عـلى خَطرات القَلبِ مُطَّـرِد
أرجُوك في سَكراتِ الموتِ تَـشْهَدُني    كَيما يَـهُون إِذ الأنـفاس في صَـعَد
وإن نَـزَلت ضريـحًا لا أَنـيسَ بـه    فـكُن أَنِـيسَ وَحِـيـدٍ فـيـه مُـنْـفَـرِد
وارْحَمْ مُؤَلِّـفَها عبدَ الرَّحيم ومَن    يَـلِـيـه مِن أهـلـه وانـعِـشْهُ وافتَـقِدِ
وإنْ دَعَـا فَـأَجِـبْـه واحْـمِ جـانِـبَـهُ    مِـن حـاسِـدٍ شـامِتٍ أو ظالم نَـكد
(انظر «ديوانه» ص82-83)

وقال أيضًا:
يا سيِّدي يا رسولَ الله يا أَمَلِـي    يا مَوْئِـلي يا مَلاذِي يومَ يَـلقَاني
هَـبْـنـي بِجاهِكَ ما قَـدَّمتُ مِن زَلَلٍ    جُودًا ورَجِّحْ بفَضلٍ منك ميزاني
واسْمَع دُعائي واكشِف ما يُساوِرُني    مِنَ الخُطُوب ونَـفِّس كُلَّ أحزاني
فأنت أَقربُ مَن تُرجَى عَواطِفُهُ    عندي وإن بَعُدَت داري وأوطاني
إني دَعَـوتُـكَ مِـن «نيابـتـي برع»    وأنت أَسْمَعُ مَن يَدعُوه ذو شان
فامْـنَعْ جَنابي وأَكرِمْني وَصِل نَسَبي    بِـرَحْمَةٍ وكَـرامـات وغُـفْـران
( انظر «ديوانه» ص38-39)

قال الشيخُ سُليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله- بعدَ أن نقَل الأبيات المُتقدِّمة: «هذا بعينِـهِ هو الذي ادَّعتْـهُ النَّصارى في عيسى -عليه السلام-، إلَّا أنَّ أولئك أَطْلَقوا عليه اسمَ الإِله، وهذا لم يُطْلِـقْه، ولـكن أَتى بِـلُـبَابِ دَعْواهُم وخُلاصَتِها، وتَـرَكَ الاسْمَ، إذ في الاسْمِ نَـوْعُ تَمْـيِـيز، فرأى الشيطانُ أنَّ الإِتيان بالمَعنى دُونَ الاسْمِ أَقرَبُ إلى تَـرْويج الباطل، وقبولِـهِ عندَ ذَوِي العُـقُول السَّخِيفة، إذ كان مِنَ المُـتَـقَـرِّر عند الأُمَّـةِ المُحَمَّدية أنَّ دَعْوَى النصارى في عيسى -عليه السلام-: كُـفْرٌ.
فلو أتاهم بدعوى النصارى اسمًا ومَعنى لرَدُّوه وأَنكَـرُوه، فأَخَذَ المَعنَى وأَعطاهُ البُرعي وأَضْرَابَـهُ، وتَرَكَ الاسْمَ للنصارى، وإلَّا فما نَدري ماذا أَبْـقَى هذا المتكلِّمُ الخَبِيثُ للخالِق -تعالى وتقَدَّس- مِن سُؤَالِ مَطْلَبٍ أو تَحْصِيل مَأْرَب؟! فالله المستعان».
(انظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص158)

وأشارَ الشَّيخُ سُليمانُ -رحمه الله- في مَوضعٍ آخر لأبيات البُوصيري والبُرعي وما فيها من الغلوِّ: وبيَّنَ أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- مُـتَـبَـرِّئٌ من غُلوِّهم هذا، وقد بَـيَّـنَ -صلى الله عليه وسلم- أنَّ هذا إنما هو مِن خصائص الخالق تعالى وتقدَّس، كما قال تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
(انظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص216)

وقال الشيخ العلامة ابن باز -رحمه الله- في (الفتاوى 5/175) بعدما أشار لأبيات البوصيري وما فيها من الغُلوِّ والشرك: (وكما وقع في قصيدة البرعي اليمني وما فيها من الشرك الأكبر في دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-).

وقد جرى هذا التنبيه لئلا يُغتَـرَّ بأبياته في الحجِّ بسبب غلبة العواطف والجهل، ولئلا تكون سببًا للاطلاع على ديوانه والتورُّطِ بما فيه من غلوٍّ وشِرْكٍ.

وما أَحْسَنَ ما جاء في الدرر السنية (15/204) عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله- حين قال: (سبَبُ الفِتنة بقصائد هؤلاء المتأخرين؛ كقصائد البوصيري، والبُرعي، واختيارها على قصائد شعراء الصحابة؛ كحسَّان بن ثابت، وكَعْبِ بن مالك، وكَعْبِ بن زُهَير، وغيرهم من شعراء الصحابة -رضي الله عنهم-، وفيها من شواهد اللغة والبلاغة، ما لم يُدْرِك هؤلاء المتأخرون منه عُشْرَ المِعْشار؛ وما ذلك إلا لأن قصائد هؤلاء المتأخرين، تجاوزوا فيها الحَدَّ إلى ما يَـكرَهُهُ الله ورسولُـهُ، فَـزَيَّـنها الشيطانُ في نفوس الجُهَّال، والضُّلَّال، فمالت إليها نفوسُهُم عن قصائد الصحابة التي ليس فيها إلا الحقُّ والصدقُّ).
تمَّ المقصود، واللهُ الحافِظُ، وهو وَحْدَهُ الـمُستعانُ لا شريك له، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.