الرئيسية > قضايا معاصرة > دعوى إسقاط الولاية و تداعياتها

دعوى إسقاط الولاية و تداعياتها

دعوى إسقاط الولاية و تداعياتها

من سنن الله التي لا تتغير و التي فطر الناس عليها أنّ أيّ بناء لا بد له من باني يلي أمره ويقوم عليه ومن أهم الأبنية الإجتماعية بل هو أساسها و التي لا بد فيها من والي يقوم عليها هي الأسرة،
ولايخفى علينا أن أساطين المذهب الفردي و الباطني بشكل عام يدركون أنّ أيّ تجمع بشري مقنن سيكون ضد مذهبهم الفردي الذي يقوم على المعنى المجرد للحرية فأول مايضعون بين أعينهم بداهة هذه اللّبنة القوية التي هي أساس المجتمعات وهي التي تخالف مذهبهم ألا وهي التجمع الأسري أو الأسرة.
ولتدليل على أهميّة الأسرة وما تقوم علية من القوامة والولاية ووعي أعداء الفطرة والعقل والملة بهذا الأمر فإنّه كثيرا ما يستوقفني حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي نصه:
(إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجئ أحدهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئًا، قال: ثم يجئ أحدهم فيقول: ما تركتُه حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيُدنيه منه، ويقول: نِعْم أنت)
فلو دققنا النظر في قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي مفاده أنّ أقربهم منزلة منه هو أشدهم إحداثا  للفتنة والذي تجده في الحديث من نقض أساس الأسرة بالطلاق والطلاق بدوره هو الذي يلغي ولاية الرجل على زوجته مع أنه لا يلغي الأبوّة  ولكن ينفرط بعدها عقد الأسرة فدافع إبليس نعوذ بالله منه، في تقريب هذا الشيطان الذي أغرى الرجل ليطلّق زوجته دون باقي الشياطين لعلمه بمدى أهميّة الرابط الأسري لأنه لا معنى للأُسرة و التي لاتأتي إلاّ عن طريق الزواج إذا انتفى رابطها الأقوى وهي القوامة التي ينبع منها أمر الولاية،
وبما أنّ المذهب الفردي أساسه و محوره يدور على الفرد فقط ويعادي أو يؤخر في أحسن أحواله جميع أنواع وأشكال المجتمعات و فاعليتها و بما أنّ الأسرة بدورها أول وأهم لبنات المجتمع وهي أول من يقف أمام الفرد ليهذب أخلاقه وسيره في الحياة ويشعره بأهميّة المجتمع والترابط
فإن المذهب الفردي لا شك سيحاول نقضها أو نقصها ولن يستطيع إلّا بزعزعة أُسسها و أول أساس لها هي ما قامت عليه في أصلها ألا وهي القِوامة التي هي مسوّغ الولاية ومُنْتَجُها الرئيس،
قال الله تعالى ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) وكما قلنا أن اساطين المذهب الفردي يدركون أنّ أيّ تجمع بشري مقنن سيكون ضد مذهبهم الفردي فأول مايضعون بين أعينهم مكون الأُسرة ويحاولون بادئ ذي بدء وخصوصا في مجتمعاتنا المسلمة وفي الخليج و السعودية خصوصا ضرب أهمّ عنصر في الأسرة يستطعون ضربها دون أن يعترض عليهم أحد أو يكون الإعتراض أقلّ من غيره  وهذا العنصر هو الزوجة فلماذ!
الجواب، لإنهم لو توجهوا للأبناء لهب الزوجين مدافعين ورافضين أيّ فكرة تضر بالاسرة فتوجهوا إلى الزوجة معملين معاولهم فيها على مرحلتين وأظهروها بمظهر الضعيفة التي ضيّع التشريع الإلهي حقوقها تعالى الله عما يقول الظالمون،
فأمّا المرحلة الاولى فهي قبل الزواج كونها إمرأة.
و أما المرحلة الثاني فهي بعد الزواج كونها زوجه ذات وضع شرعي و مركز قانوني و تحت قوامة رب الأسرة و بالتالي في ولايته بداهتةً،
وعلى هذا الصعيد وهو موضوعنا وبما أنّهم وجدوا أنّ من الضوابط التي تضبط علاقة المرأة في حياتها الزوجية والأسرة بشكل عام وتحافظ على تماسك وقيام البناء الأسري و هي الولاية-كما ان للرجل ايضا ضوابط تضبطه ليس هذا محلها-فتوجهت سهامهم نحو الولاية فوجدوها تشريعا واضحاً صلباً عادلاً -كما هي كل شرائع الدين- له محدداته الواضحة العادلة فذهبوا ليصموا الولاية بعيوب ليست منها ولا فيها،
وللمعلومية فإن من أساليب الضعيف صاحب الباطل أنّه عندما يهاجم أمرا لا يستطيع مهاجمته لوضوح الحق فيه وذلك في عدوِّه فإنه يعتمد على عدة أُمور من أهمٌها هنا أمرين:
الأوّل إستخدام المعاني المجردة على إطلاقها ليختبئ بضعفه خلف تموّجها وعدم ثباتها كالحرية والإقصائية …الخ. والأمر الثاني أن يلفق و يلصق بهذا الأمر المراد مهاجمته عيوبا ليست منه ليستطيع مهاجمته ومن أمثلة ذلك موضوع المقال وهو إلغاء أو إسقاط الولاية التى نسمعها هذه الأيام من تيار ات عدة
والتي تتركز دعواهم في إلغائها أو إضعافها على نوعين
النوع الأوّل :الدعوة المباشرة لإلغاء الولاية و تتمثل صراحة في التوجه الليبيرالي والسبب في صراحته هنا عدم ارتباطه بالدين و تنحيته له عن الحياة.
والنوع الثاني: الدعوة غير المباشرة  وهي التي تأتي من التيارات والفرق والتوجهات الباطنية في حقيقتها و إن أخذت أشكال عدة،
كأهل التصوف و ما نبع عنهم من الحركات السياسية ككيان الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ
فإن التيارات الباطنية عموما سواء المنتمية للإسلام ظلما وزوا أو المنتمية لغيره تحاول بشتى الوسائل نقض التشريعات التي تعزز الرابط الأُسري أو إضعافه ولو بإحداث العزلة الشعورية كما تفعل التنظيمات الإخوانية مع مريديها،
لإن هذه التيارات كلها تتبنى نظام الطاعة العمياء لإمام هذه الطريقة أو مرشد تلك الجماعة ……الخ
وتحاول جعل نفسها وكيانها مقدم عند المريد على أسرته وذلك بعدة طرق كنفي الولاية عن الوالدين لأنّهما كفّار في نظر هذه الفرقة الباطنية صوفية كانت او خارجية.
•• إنّ من المسلمات العقلية أنّك إذا أردت هدم بناء ما فإن إحدى أوضح و أهم طرق هدمه هو إختراق جداره و نسيجه المُحَدِد لهويته
و القوامة و الولاية هنا هي المُحَدِد لهوية أيّ أُسرة عن الأُسرة الأُخرى
كالوطن فإن البيعة لإمام المسلمين  في نظام الإسلام هي المُحدِد للمواطنة وبالتالي لمدى الوطن الذي يتبع إمام المسلمين دون الوطن الآخر،
على ذلك فإنّ إلغاء الولاية أو إضعافها ماهو إلّا محاولة لإختراق لنسيج الأسرة وهدم جدارها.
و ذلك عن طريق إدخال قوى ليست من الإسرة وتكون متحكمة إما بإسم مصلحة الدين كما تفعل الصوفية والحركات السياسية المتأسلمة أو بإسم الحرية بغطاء القانون أو حقوق الإنسان كما يفعل الليبراليون،
فأي دمار وأي جريمة اخلاقية و إجتماعية يقوم بها من يطلب إلغاء أو إضعاف المُحَدِدَ الأول للأُسرة السويّة سواء من يقوم بذلك مباشرة كالتيّار الليبرالي أو من يقوم به بطريق غير مباشر كالتيارات الصوفية والخارجية الباطنية ليس في حق أفراد الأسرة بل في حق المجتمع والوطن والأمة  من التفكيك وذلك لإذهاب الهوية و أساس وجود المجتمع ألا وهي الأسرة ليكون بعد ذلك فريسة سهلة لكل أعدائه فلا تسأل عن إنفلات الأبناء إذا انفلت من يد والي الأسرة الزمام .
•إنّ من الأساليب القذرة التي اعتمدها التيار الليبرالي لمحاولة إلغاء أو إضعاف حالة الولاية الشرعية هي محاولة ضربها عن طريق التطبيقات الخاطئة والممارسات الشاذة لأشخاص لا يفقهون معنى الولاية أو إختل مركزهم الشرعي و القانوني حيال ولايته على أسرته  ولو طبقنا هذا المبدأ  في كل مجال لجعلنا الحاكم للحالة الشرعية هي أفعال الناس وليس التشريع و لأُلغيت كثير من الأوضاع والحالات الشرعية و القانونية أيضا بسبب سوء و أخطاء التطبيقات الفردية ولو فعلنا هذا الأمر لفسدت أمور كثيرة و لتضرر الناس و هذا لا يقبله عقل سويٌّ أبدا.
•ومن الأساليب الخطيرة أيضا في إلغاء الولاية أو إضعافها و الخروج عنها بإسم مصلحة الدين ولو أدّى ذلك إلى تكفير الزوج مثلاً للخروج من ولايته كما فعلت كثير من الإرهابيات مع أزواجهن بدافع الهوى والإنتقال صراحة إلى ولاية هذه الجماعة أو تلك ،
ومن ذلك أيضا الطاعة العمياء التي عند الصوفية فإنّها تُنهِي ولاية الأب على أبنائه والزوج على زوجته أو تُضعفها في أحسن الأحوال،
فقد نقل الشعراني عن الدسوقي قوله (المريد مع شيخه على صورة الميت لا حركة ولا كلام ولا يقدر أن يتحدث بين يديه إلا بإذنه، ولا يعمل شيئاً إلا بإذنه من زواج أو سفر أو خروج أو دخول أو عزلة أو مخالطة أو اشتغال بعلم أو قرآن أو ذكر أو خدمة في الزاوية ….. فعليك يا ولدي بطاعة والدك ـ يعني شيخ الطريقة ـ وقدمه على والد الجسم
-اي الوالد الحقيقي – فان والد السر انفع من والد الظَهْر)
ويقول داود الكبير: “خدمة أستاذك مقدمة على خدمة أبيك لأن أباك كدّرك وأستاذك صفاك، وأباك سفلك وأستاذك علاك، وأباك مزجك بالماء والطين وأستاذك رقاك إلى أعلى عليين. وهذه الصورة في عمومها تنطبق على كثير من مشايخ الصَحوة
••إنّ الولاية حالة ووضع شرعي قائم بذاته من أجل الأسرة لا من أجل رب الأسرة فلم يعطي الشرع للأب أو الزوج بادئ ذي بدء هذا الوضع الشرعي (الولاية) لأنّه يستحقه أو لأنّه حق من حقوقه بل لأنّه المكلف الأوّل به فطرة و شرعاً فهو تكليف و مسؤلية والدليل على ان الولاية ليست حق بالدرجة الأولى بل هي تكليف ومسؤلية أنّها  لا تسقط بذاتها أبدا في شريعة الله بل تنتقل من مُكلّف غير صالح للولاية لأي سبب إلى مُكلّف صالح لها فضلاً عن حصول الجنون العارض و بسبب غياب هذا الأمر عن كثير من الناس خصوصا المخدوعين بدعوى إلغاء الولاية أتى سوء الفهم و التلبيس  عليهم فهم يعتبرون أنّ الشريعة جعلت الولاية حق أصيل و إنما هو تكليف و مسؤلية فإذا لم يكن على قدر المسؤلية انتقلت الى مُكلّف آخر، قال صلى الله عليه وسلم ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، -قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))
فنظرية وحالة القيادة من أوسع النظريات والحالات في التشريع الإسلامي لذلك اتجه أصحاب التيارات الأخرى لهدمها مبتدئين برب الأسرة بإسقاط أو إضعاف ولايته على زوجته و أبنائه و انتهاءً بإسقاط أو إضعاف ولاية ولي أمر المسلمين عن رعيته ليتحول المجتمع إلى عِدة ولاءات وهذا هو فعل ومراد العقلية الحزبية في المجتمع سواء كانوا ليبراليين أو إخوان و كما هو فعل الصوفية أيضا في المجتمع بتقسيمه إلى ولاءات طرقية ذات طاعة عمياء  فكلهم ينهلون من ماء الباطنية القذر، فهدفهم واحد و إن اختلفت جهات قدومهم،
•لقد قدم التيار الليبرالي أشدّ و أوضح الأمثلة في هذا الزمان في تفتيت الأسرة وبالتالي المجتمعات و الأوطان و تهيئتها بإمتياز للتخلف الإجتماعي لتكون عالة على غيرها و تعجز عن التنمية و عن النهضة من باب أولى وهذا يدل على أنّ التيار اللّيبرالي يحمل في أساسيات تكوينه الفشل في إدارة المجتمعات صَغُرت أم كبُرت على أساس من قِيَمِهِ العليا ولو حاول قيادتها فإنّه يكون في موضع الغبي العاجز
وهذا من أكبر أسباب التخلّف و التي يحاول التيار الليبرالي إخفائها بإتهامه لغيره بها وهو أولى بها من غيره لأنّ من يحاول هدم المجتمعات أو على الأقل إضعافها
فهو أضعف و أقل من أن يقودها إلى النجاح والتنمية، بل إنّه أيدلوجياً غير قادر على ذلك لعدم حضور أهمية المجتمع في عقيدته بل الحاضر في عقيدته و أيدلوجيته هو محاربتها و إضعاف روابطها،
و كذلك الحال نفسها في التيّارات الأُخرى، فإن أيّ تيّار أو كيان ليبرالي كان أو صوفي أو سياسي كتنظيم الإخوان يحاول إضعاف طبيعة المجتمعات الفطرية كالإسرة والوطن فإنه سيكون فاشل في إدارة المجتمعات والأوطان ولن يستطيع إنجاحها لإنها غير حاضرة في عقيدته و أيدلوجيته السياسية وهذا الأمر له شواهد كثيرة في التاريخ والحاضر.

••نخلص فيما سبق إلى عدة نقاط من أهمها:
اولاً – أنّ البناء الإجتماعي كالبناء المادي لابد له من والي يلي أمره و قَيّمٌ يقوم عليه.
ثانياً- أن أصحاب المذهب الفردي الباطني أيّ الليبراليون دعاة الحرية يحاربون أو يضعفون أيّ مجتمع بشري كان.
ثالثاً- أنّ بقية المذاهب الباطنية سواء صوفية أو منظمات سياسية تحاول إضعاف علاقة الفرد بمجتمعه خصوصا أسرته
رابعاً- أنّ الولاية حالة شرعية قائمة بذاتها وهي تكليف وليست حق مكتسب لذلك تجدها تنتقل من رب الاسرة الى شخص آخر في حالة اختلال مركز رب الاسرة الشرعي
خامساً- أنّ التطبيقات الشاذة للولاية ليست من الشرع في شيئ وليست مسوغ لإلغاء الولاية
سادسا- أنّ أيّ تيّار أو كيان يحاول إضعاف أو تغيير طبيعة المجتمعات الفطرية كالإسرة والوطن فإنه فاشل في إدارة المجتمعات والأوطان ولن يستطيع إدارتها و إنجاحها .ا.هـ

كتبه اخوكم
عبدالله بن محمد الشبانات
في يوم الأحد الموافق
١٤٣٩/٧/١هـ

شاهد أيضاً

الحزم السعودي العسكري يهدد الحرس الثوري الإيراني

الحزم السعودي العسكري يهدد الحرس الثوري الإيراني . ولي العهد : لو طورت إيران قنبلة …

شبهةٌ ملعونة، يردِّدُها من أعمى الله بصيرته

شبهةٌ ملعونة، يردِّدُها من أعمى الله بصيرته يقول بعض المجرمين، ممن امتهن الترويج للباطل وتزيِينه، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *