الرئيسية > قضايا معاصرة > لبس العـبــاءة من الحجاب الذي أمر الله تعالى به

لبس العـبــاءة من الحجاب الذي أمر الله تعالى به

لبس العـبــاءة من الحجاب الذي أمر الله تعالى به

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فقد وقفتُ على فتوى للشيخ عبدالله المطلق أصلحه الله وهداه، وألزمه سبيل طاعته وتقواه، عبر إذاعة نداء الإسلام في برنامج “استديو الجمعة” تكلَّم فيها عن حكم لبس العباءة للمرأة، وزعم أنها غير لازمة ولا واجبة، وأن نسبة 90% من نساء المسلمين لا يلبسنها، ومنهن العابدة والصالحة وقارئة القرآن وغير ذلك.

وحال قراءتي للفتوى؛ جزمتُ بأن مصيبة الإسلام من أهله، وآفة العلم من بعض المنتسبين له، فأصابني ذهول من هذا الأمر المهول، ولا أدري إلى أين ألتفت في مصابي؟

أإلى زمان موحش تنهار فيه دعائم الفضيلة والأدب؟

أم إلى منصب الشيخ المطلق! وكيف يليق منه هذا؟

أم إلى تهافت الحمقى على فتواه وقرع الطبول عندها؟

أم إلى سكوت الكثير عن كثير من حاجات المجتمع، والمنكرات التي حاقت بالبلاد، وأفسدت بين العباد، وما تحركت الغيرة لدى الكثير فيبينوا للناس أن هذا منكر وحرام فاجتنبوه؟

لـيـتـه لما ظهر في تلك الإذاعة؛ قال للناس: اتقوا الله وراقبوه واجتنبوا مواطن الفسق والمجون والرقص والاختلاط

لـيـتـه لما ظهر في تلك الإذاعة؛ قال للناس: اتقوا الله وراقبوه واحذروا من الزنادقة المشككين في الدين، المعارضين لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

لـيـتـه لما ظهر في تلك الإذاعة؛ نادى المسلمات إلى التمسك بالفضيلة، والقرار في البيوت، والبعد عن مواطن الرجال، وصيانة النفس من كل فتنة.

لـيـتـه لما ظهر في تلك الإذاعة؛ حذّر شباب الإسلام من أسباب الفسق والفجور، ومكائد المكر والزندقة.

لـيـتـه لما ظهر في تلك الإذاعة؛ دعا طلاب العلم إلى الجماعة، والسمع والطاعة، ونبذ الفرقة، والتعاون على البر والتقوى، والاجتماع على التوحيد والسنة.

لـيـتـه لما ظهر في تلك الإذاعة؛ حذر المسلمين من الفرق الضالة المنحرفة التي تتربص بالبلاد والعباد الدوائر.

لـيـتـه لما ظهر في تلك الإذاعة؛ وهو عضو هيئة كبار العلماء: شرح للناس الصحيحين والسنن الأمات، والروض المربع، وكتاب التوحيد!

كل هذه المسائل باتت في ذهن الكثير نسياً منسيا، ولم يتبقَ إلاّ مسألة العباءة؟

والمؤسف أن السائلة تسأله عن أي العباءتين تجوز: على الكتف أم على الرأس! فجاء الشيخ المطلق بما لم يطلب منه أصلاً! وأجاب بما ليس من مطالب السؤال فقال: أصلاً العباءة كلها – كتفيّيها ورأسيّها!- ليست لازمة.

ويـــا لـيـتـــه آوى إلى ركن شديد! واستدل بما يستدل به أصغر طلاب العلم بله كبار العلماء بأدلة الوحيين وكلام السالفين؟

وإنما استدل غفر الله له بدليل أبي جهل وأبي لهب، وأهل الجاهلية الأولى؛ واحتج بما عليه الأكثر، قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب في مسائل الجاهلية (ص8): «الخامسة: أن من أكبر قواعدهم الاغترار بالأكثر، ويحتجون به على صحة الشيء، ويستدلون على بطلان الشيء بغربته، وقله أهله، فأتاهم بضد ذلك، وأوضحه في غير موضع من القرآن».

فـــهــل هــذا دلـيـــل؟

وإنما الدليل ما جاء في كتاب الله تعالى الذي يأمر بالحجاب ويحث عليه، كما قال تعالى : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ (النور:31).

قال ابن كثير رحمه الله تعالى ( 6/47 )  مفسراً لهذه الآية : «أي لا يظهرن شيئاً من الزينة للأجانب إلاّ ما لا يمكن إخفاؤه ، قال ابن مسعود : كالرداء والثياب ، يعني على ما كان يتعاناه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها ، وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه ، لأن هذا لا يمكن إخفاؤه ، ونظيره من زي النساء ما يظهر من إزارها وما لا يمكن إخفاؤه ، وقال بقول ابن مسعود : الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم».

فتأمل قوله رحمه الله: «كان يتعاناه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها» وهي العباءة تجلل الثياب وتكون فوقها!

ويقول تعالى: : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾ [الأحزاب:59].

قال ابن جرير (17/ 360) : «والجلباب رداء فوق الخمار تستر من فوق إلى أسفل ، يعني يرخينها عليهن ويغطين وجوههن وأبدانهن ».

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (22/110- 120 ) : « وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب ، يرى الرجال وجهها ويديها ، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين ، وكان حينئذ يجوز النظر إليها ، لأنه يجوز إظهاره ، ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ حجب النساء عن الرجال».

فهل يُتصور أن المرأة في الجاهلية كانت تخرج عارية من كل قماش؟ أم كانت تخرج بثوب كاشفة الوجه والكفين، حتى جاء الشرع، وأمرها بالغطاء الكامل؟!

وروى عبدالرزاق وعبد بن حميد وجماعة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : «لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ ، خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة ، وعليهن أكسية سود يلبسنها»، “الدر المنثور” (6/659).

قال شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى في “مجموع فتاويه” (4/ 254): «والجلباب هو الرداء فوق الخمار بمنزلة العباءة».

وقد نصّ المطلق على ذلك وأن العباءة من الجلابيب! فلماذا هي غير لازمة، والله تعالى يأمر بإدناء الجلابيب أمر وجوب لا صارف له؟

وثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : «لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات الفجر متلفعات في مروطهن ، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس» وفي لفظ : «متلففات».

قال الحافظ في ” الفتح ” ( 1/ 575 ) : «قال الأصمعي : التلفع أن تشتمل بالثوب حتى تجلل به جسدك ، وفي شرح الموطأ لابن حبيب : التلفع لا يكون إلاّ بتغطية الرأس ، والتلفف يكون بتغطية الرأس كشفه ، والمروط جمع مرط بكسر أوله ، كساء من خز أو صوف أو غيره».

وقال المباركفوري قي ” التحفة ” (1/473) : ( قال الجزري في النهاية : أي متلففات بأكسيتهن ، واللفاع : ثوب يجلل الجسد كلّه ، كساء كان أو غيره ، وتلفع بالثوب إذا اشتمل به».

فتأمل كيف أن فتوى الشيخ المطلق:

مخالفة للغة العرب، ومخالفة لنصوص الشرع، ومخالفة لطرائق أهل العلم في الفتوى بالاستدلال بالدليل الشرعي من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ونحوه لا بمجرد كون الكثير من النساء يفعلن ذلك!

وجاء في “فتاوى اللجنة الدائمة” (17/ 139) هذا السؤال: فقد انتشر في الآونة الأخيرة عباءة مفصلة على الجسم وضيقة، وتتكون من طبقتين خفيفتين من قماش الكريب، ولها كم واسع، وبها فصوص وتطريز، وهي توضع على الكتف. فما حكم الشرع في مثل هذه العباءة؟ أفتونا مأجورين، ونرغب -حفظكم الله- بمخاطبة وزارة التجارة لمنع هذه العباءة وأمثالها.

فــأجــابــوا:

العباءة الشرعية للمرأة وهي (الجلباب) هي: ما تحقق فيها قصد الشارع من كمال الستر والبعد عن الفتنة. وبناء على ذلك فلا بد لعباءة المرأة أن تتوافر فيها الأوصاف الآتية:

أولا: أن تكون سميكة لا تظهر ما تحتها، ولا يكون لها خاصية الالتصاق.

ثانيا: أن تكون ساترة لجميع الجسم، واسعة لا تبدي تقاطيعه.

ثالثا: أن تكون مفتوحة من الأمام فقط، وتكون فتحة الأكمام ضيقة.

رابعا: ألا يكون فيها زينة تلفت إليها الأنظار، وعليه فلا بد أن تخلو من الرسوم والزخارف والكتابات والعلامات.

خامسا: ألا تكون مشابهة للباس الكافرات أو الرجال.

سادسا: أن توضع العباءة على هامة الرأس ابتداء. وعلى ما تقدم: فإن العباءة المذكورة في السؤال ليست عباءة شرعية للمرأة، فلا يجوز لبسها؛ لعدم توافر الشروط الواجبة فيها، ولا لبس غيرها من العباءات التي لم تتوافر فيها الشروط الواجبة، ولا يجوز كذلك استيرادها، ولا تصنيعها، ولا بيعها وترويجها بين  المسلمين؛ لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2] واللجنة إذ تبين ذلك فإنها توصي نساء المؤمنين بتقوى الله تعالى، والتزام الستر الكامل للجسم بالجلباب، والخمار عن الرجال الأجانب؛ طاعة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وبعدا عن أسباب الفتنة والافتتان. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عضو … عضو … عضو … الرئيس

بكر أبو زيد … صالح الفوزان … عبد الله بن غديان … عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ.، انتهى.

وقد تكلمت في أحكام الحجاب في كتابي “الحرب الباردة على الفتاة المسلمة” فليراجعه من أراد الاستزادة.

فنسأل الله أن يهدي الشيخ المطلق، وأن يرده للحق رداً جميلاً، والله المستعان،  والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

كتبه

بدر بن علي بن طامي العتيبي

السبت 24 جمادى الأولى 1439هـ

 

المصدر

عن إدارة التحرير

شاهد أيضاً

الفتاوى الشاذة – وزيارة النساء للقبور – وشغب الزنادقة

الفتاوى الشاذة – وزيارة النساء للقبور – وشغب الزنادقة : فضيلة الشيخ بدر بن علي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *