الرئيسية > مقالات وردود > ماذا أستفيد من أحداث الانقلاب الفاشل في تركيا؟

ماذا أستفيد من أحداث الانقلاب الفاشل في تركيا؟

مَاذَا أسْتَفِيدُ

مِنْ أحْدَاثِ الانْقِلابِ الفَاشِلِ فِيْ تُرْكِيَا؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

أما بعد:

فقد جَذَب الأعيانَ، وفتقَ الآذانَ، وفجعَ الجنانَ: أحداثُ الانقلابِ التي مرّت بهِ تركيا قبل ليلتين، وذلك يوم الجماعة العاشر من شهر شوال لهذا العام 1437، عقب محاولة الجيشِ الانقلاب العسكري على حكومته الحاليَّة، ولم يكن الخوفُ على (بقاء رئيسٍ) أو (قدوم آخر) أكثر من الخوف على (المسلمين في تركيا) ودينهم بعد أن تنفَّسوا الصُّعداء عقب سنين عجافٍ تحت وطأة العلمانية اللَّعينة، وكانت العلمانية (الدكتاتورية) بنظامها الجائر الذي يحمل الناس على الكفر، ويبغض التدين بكافة صوره، حتى جاءت الدولة الأخيرة بـ(العلمانية الديموقراطية) أو (الليبرالية) التي تمنح الحرية بكافة صورها لكلّ من كان تحت سقف دولتها: من أعلى (التَّوحيد والسُنَّة) إلى (حضيض الكفر والزندقة والشذوذ الجنسي!) ولا ممنوع تحت سقفها، وكلا العلمانيتين من (الحكم الطاغوتي) الممقوت، وإن كانت التالية أرحمُ وأخف من الأولى، (فالديموقراطية تعدُّ منصفةً في زمنِ الدكتاتورية) كما قاله بمعناه شيخ مشايخنا وجيه جدة الشيخ محمد عمر نصيف رحمه الله تعالى، لأنها على أقلّ تقدير لا تمنع أهل الحق من إظهار حقهم، ولا تمنع خصومهم، وينزل الجميع في (ميدان العراك الديني) ولا شك أن ديننا غلّاب، ولن يُشادَّ هذا الدين أحدٌ إلا غلَبه، ففي زمن الدكتاتورية أقسى ما يسلب من المؤمن: بلاغه للدين، لأن الدين حين يبلغ يكون له قوةٌ ونفوذٌ وقبول بين الناس، وهذا مما لا يريده أعداء الإسلام، ولهذا لما كانت مكة في أول مبعث النبي صلى الله عليه وسلم تعيش السياسة الدكتاتورية الظالمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن قومي منعوني أن أبلّغ كلام ربي» حتى (الكلمة) حاربوها، فكيف بما فوقها؟

فالحكم الأُردوغاني حكمٌ علمانيٌّ بصريح كلامه هو بنفسه كما هو موثّق، وقد أعطى كل من تحت سقف رئاسته (الحرية المطلقة) في فعل وقول كلّ شيء!

والكلام الآن عن (حكومته) لا عن شخصه، فحكومته (علمانية) بلا جدال ولا شك، وأما هو في نفسه من حيث (الوجهة) فهي إسلامية بلا شك، وأما إن طرح معترضٌ سؤاله عن حاله من حيث (إسلامه وكفره) فمحل جدال؛ أسكت عنه ولا أخوض فيه لعدم الحاجة إلى بحثه والنظر فيه في مثل هذا المقام، وليس المراد معرفة (حكمه) فإنه يشاركه فيما هو واقع فيه حكّام آخرون، وإنما المُراد ما جاء في عنوان هذا المقال: (ما ذا أستفيد من الأوضاع في تركيا) وإلا مهما كان حكمه فالواجب على المسلمين في كلّ حال: (طلب الأصلح لهم ولدينهم) بقاء وإزالة، من غير ضراء مضرة ولا فتنة مظلة.

وقد تأملتُ فيما مرّ من حادثة الانقلاب فطلبت معرفة ما يهمني في ديني، وماذا أستفيد منه من دروس وعبر! فكان من ذلك عدة إشارات:

الأولى: عظم فضل الأمن، وأنه (بيت الإيمان) و(حصنه الحصين) فإن غاب الأمن صار الإيمان عرضةٍ للزعزعة والزوال، وتأملوا كيف وجلت النفوس، وبلغت القلوب الحناجر مع بداية الانقلاب، والعين تجاوزته بالنظر إلى ما عليه سوريا وليبيا من حال! وكيف ستكون (خضراء تركيا) و(نضرتها) بعد ذلك؟

فالأرض لله تعالى، ليست الغاية فيها إلا أن يُعبد الله تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56] وخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وهي أحب البقاع إليه وطلب أرضاً يعبد الله تعالى فيها بأمان، وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة من مكة (وكان الحكم فيها دكتاتورياً) إلى الحبشة (وكان الحكم فيها نصرانياً) عادلاً.

فهذا الانقلاب درسٌ لمن يغامر بالأمن بسبب إسقاط رئيس وترشيح آخر، وأن الناس تخاف من الحال الأسوأ، والعاقبة المريرة.

والثانية: أن الفرح بفشل الانقلاب يجب أن لا يكون (حزبياً) ولا (شخصياً) ولا (عرقياً) وإنما هو (لدين الله تعالى) و(نصرة الإسلام) و(الأصلح للمسلمين) كما نفرح باستقرار الأمور في كافة بلاد المسلمين كمِصْرَ وغيرها! لا لتنصيب هذا وعزل ذاك، وإنما (لحقن دماء المسلمين) وكذلك في تركيا، فمن فرح لاستقرار الحال في تركيا، يجب أن يفرح (لاستقرارها) في مصر، بغضِّ النظر عن صنيع الرئيس هنا وهناك، وكيف وصل، فالعبرة بدفع الشرِّ عن المسلمين، واستقرار أحوالهم، ففرحنا بفشل الانقلاب إنما هو (لفرح المسلمين هناك، وسلامة دمائهم وأعراضهم وأموالهم) لما هم عليه في الحكومة الحالية من (أمنٍ) في القيام بشعائر الإسلام ظاهرةً بعد (رقّ الدكتاتورية) الذي قيد تركيا سنين عددا.

وكذلك نفرح لاستقرار حال المسلمين، وفشل الثورات والانقلابات في كلّ بلدٍ إسلاميٍّ كما حصل في البحرين قبل سنوات.

وهذا كلُّه كما تقدم؛ (لله وحده) و(لنصرة دينه) و(حمايةً لعباده المسلمين) بل لو كان الحاكم ظاهر الكفر، كما هو الحال في الدول الغربية وحكوماتها، فإنَّ (غياب الأمن) و(زعزعة الاستقرار) لا تَسُرُّنا نحن المسلمون إن كان تحت ولايتهم (جموعٌ) من إخواننا المسلمين، يُخاف عليهم من فساد الوضع في تلك الجهات، فنفرح لا للحاكم أو حكومته، وإنما فرحنا أن إخواننا المسلمين في (سلامة وعافية).

الثالثة: أن المرء الواحد قد تجتمع فيه المحبة والبغض في الآن الواحد، ويجتمع فيه (القبول) و(الرفض) فتُقبل منه أشياء، وترفض أخرى، فالحق يُقبل ولا يُرد، ولا يَلْزم من قبول الحق قبول من جاء به وأقامه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقك وهو كذوب» فنقبل صدقه، وهو نستعيذ بالله منه في كلٍّ حينٍ وآن.

وكذلك (الحكومة التركية الحالية) لها محاسن لا يجحدها إلا مكابر، ولها مساوئ ومعضلات وضلالات، فيجب أن يضبط المسلم إشادته بها، ويشكرها على ما أحسنت به، ولا يتجاوز إلى المبالغة في المدح والتمجيد، حتى جعلها قومٌ (المعقلَ الأخيرَ للإسلام!) وجعل رئيسها (خليفة المسلمين) ووصفه بصفات لا يكاد توجد إلا في الأنبياء والمرسلين! وهذا كلّه من فساد الولاء والبراء، وخيانة أمانة العهد والميثاق، وهم يرون ما عند تلك الحكومة ورئيسها من أمورٍ لا يقرّها الشرع.

والأعجب في ذلك (ازدواجية النقد) و(انتقائية الحب والبغض) فيوصف هو بأعلى صفات الثناء والتمجيد، مع تصريحه بأن الدولة علمانية، و(ستبقى علمانية) وفي الوقت نفسه يصف غيره من الحكام والرؤساء، وهم مثله أو دونه في الانحراف بأقبح الأوصاف بل يصرح بأنهم ليس لهم (بيعة) بل ربما (نادى) بل (ولا زال ينادي) للثورات في بلدانهم!

وما هذا إلا محض الهوى.

والأدهى والأمر: أن يُبالغ بمدحه بأمورٍ هي في حكَّامِ المملكة العربية السعودية وأكثر! ولم يسمع لهم مدحٌ فيهم قط! وربما يذمون حكام المملكة العربية والسعودية بأمورٍ هي في الحكومة التركية وأكثر!

فهل هذا عدل؟ وهل هذا صدق في المدح والذم؟

والناظر لحقيقة حال أولئك القوم مع من يمجدون من حكومات ومن يذمون: (أن كل ما مدحوا به من يحبون هو في حكام المملكة العربية السعودية وأكثر، وكل ما انتقدوه على حكام المملكة العربية السعودية وسياستهم هو فيمن يمجدون وأكثر) ولكم تطبيق هذا من أيام (حكومة طالبان) إلى (حكم مرسي) إلى (رئاسة أردوغان).

الرابعة: مما يجب على المسلم في مثل هذه الأوضاع: تركه ما لا يعنيه، والكف عن الشغب والقيل والقال، والناظر اليوم إلى برامج التواصل الاجتماعي، ومعارك الصراع الشبكي! ينتابه الحزن تارة، والعجب أخرى، وربما الضحك في بعض الأحايين، من نزول الرفيع والوضيع، وتحذلق الطفل والمرأة، وزيغة الحكيم، وطيشة الحليم، وتبادل الشتائم والتهم، واختراق حاجز (علم الغيب) تكهناً وتخرصاً، وهذا كله من طيش القول، ومن المذموم شرعاً وعرفاً، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

وروى معمر في “جامعه” (11/ 308) عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «لا تعرض ما لا يعنيك».

وروى ابن وهبٍ في “جامعه” (ص560) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «دع ما لست منه في شيء، ولا تنطق فيما لا يعنيك، واخزن لسانك كما تخزن ورقك».

وروى ابن وضاح في “البدع” (2/ 188) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إياك والكلام فيما لا يعنيك؛ فإنه فضل , ولا آمن عليك فيه من الوزر , وإياك في الكلام فيما يعنيك في غير موضعه؛ فرب مسلم تقي قد تكلم بما يعنيه في غير موضعه فتعب».

وروى الخرائطي (ص136) عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «تعلموا الصمت كما تتعلمون الكلام، فإن الصمت حكم عظيم، وكن إلى أن تسمع أحرص منك إلى أن تتكلم، ولا تتكلم في شيء لا يعنيك، ولا تكن مضحاكا من غير عجب، ولا مشاء إلى غير أرب يعني إلى غير حاجة».

وروى أبو نعيم في “الحلية” (8/ 110) عن الفضيل قال: «تكلمت فيما لا يعنيك فشغلك عما يعنيك ولو شغلك ما يعنيك تركت ما لا يعنيك».

وروى ابن أبي الدنيا في “الصمت” (ص95) عن زيد بن أسلم، قال: دخل على أبي دجانة وهو مريض، ووجهه يتهلك، فقال: «ما من عملي شيء أوثق في نفسي من اثنتين: لم أتكلم فيما لا يعنيني، وكان قلبي للمسلمين سليما».

وروى أيضاً (ص96) عن سيار أبي الحكم قال: «قيل للقمان الحكيم: ما حكمتك؟ قال: لا أسأل عما كفيت ولا أتكلف ما لا يعنيني».

وروى أيضاً (ص96) عن داود بن أبي هند، قال: بلغني أن معاوية رضي الله عنه قال لرجل: «ما بقي من حلمك؟» قال: «لا يعنيني ما لا يعنيني».

فالواجب على (العلماء وطلاب العلم) أن لا يُقحموا العامة في صراعاتهم، ولا في القيل والقال، وأن يوجهوهم إلى ما هو خيرٌ لهم، فقد زلّت أقدام أقوام من العوام في تلك الأوضاع حتى سمعنا منهم (من يُقرّ الكفر ويعتذر له) وبالضد آخر (يكفّر بما ليس بمكفّر) فارحموهم.

الخامسة: مما يستفاد، بل وأهم ما يستفاد: التؤدة والهدوء، وعدم المسارعة بإصدار القرار، فالفتن عادة إنما تأخذ من يسبق إلى القول والفعل فيها، والواجب على المسلم لزوم الهدوء والسكينة والتأني حتى تتجلى الأمور، ثم تتبين الحقائق، ويعرف الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، ويتكلم من هو أعلم من الناس، كما قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83].

أسأل الله تعالى أن يعصمنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب

بدر بن علي بن طامي العتيبي

الأحد 12 شوال 1437هـ

عن إدارة التحرير

شاهد أيضاً

سنة التدافع (الخامسة)

💡 سنة التدافع (الخامسة). 🕯 انطلقت الثورتان الصناعية والفرنسية عن (عقيدة) أصبحت فيما بعد مذهبا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *