الرئيسية > الردود > محاولة الإلمام بنازلة تمثيل الصحابة الكرام "حوار هادئ"

محاولة الإلمام بنازلة تمثيل الصحابة الكرام "حوار هادئ"

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله .. اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه … اللهم أنر أبصارنا وبصائرنا .. واهدنا إلى الحق .. وبعد ..

شاهدت الحلقة التي خصصها الدكتور عبد العزيز قاسم – في برنامجه (البيان التالي) – لجواز تمثيل الصحابة الكرام .. وقد استضاف البرنامج فضيلة العلامة الشيخ محمد الحسن الددو حفظه الله … مع ضيوف آخرين عبر الهاتف.

وقد مكثت مليا أتأمل الأدلة التي جعلت الشيخ الفاضل يبح تمثيل الصحابة عليهم رضوان الله .. ويستثني الحبيب عليه الصلاة والسلام .. تأدبا … كما استثنى نساءه عليه السلام … وسوف نتحدث عن تلك النقطة تحديدا إن شاء الله.

أقول أنني تأملت أدلة الشيخ .. فوجدت أن الخلاف بينه وبين مخالفيه يكمن في توجيهه لتلك الأدلة .. وجعله – وهذا أعجب أدلته – مسح الحبيب عليه الصلاة والسلام لوجهه الشريف محاكيا سيلان الدم على وجه أحد أنبياء الله دليلا على إباحة التمثيل!! ونحن نجل الشيخ أن يكون معنى كلامه أن الحبيب عليه الصلاة والسلام في هذا المشهد كان (ممثلا) بالمعنى المقصود في هذا الزمان … ومن هنا بدا وكأننا نتحدث عن عالمين مختلفين .. ولتقريب الصورة نتمنى على الشيخ الكريم أن يجيبنا على هذه الفتوى – الافتراضية – هب أن رجلا قال لزوجته أنت طالق إن مثلتِ. .. فروت حديث سيلان الدم على وجه ذلك النبي الكريم،وكررت فعل الحبيب عليه الصلاة والسلام،من مسح الدم الذي لا وجود له ..فهل تطلق بفعلها ذلك؟ أم أن وقوع الطلاق يلزمه الإتيان بأركان التمثيل المعروفة في زماننا .. وهي (النص : “السيناريو والحوار” ) و (الممثل) و(مكان التمثيل : مسرحا أو أستوديو

إذا تجاوزنا هذه الفتوى الافتراضية .. وعدنا إلى الأدلة التي ساقها الشيخ الفاضل .. وهي في مجملها .. تسور الملكين على سيدنا داوود … مسح الدم .. حديث الشفتين .. جلوس سيدنا جبريل إلى الحبيب عليه الصلاة والسلام ليعلم الصحابة دينهم .. وجود شبه بين أحد الصحابة وسيدنا عيسى عليه السلام .. وجود شبه بين أحد الصحابة عليهم رضوان الله والدجال … تشبه الملك الذي جاء لسيدتنا مريم عليها السلام في صورة رجل … إن استقامت هذه الأدلة كلها للشيخ الكريم .. أفلا يكون التمثيل (سنة)؟!! أما الضوابط التي تحدث عنها مثل عدم الإساءة .. وعدم السخرية .. فإن الإساءة والسخرية من الأشخاص العاديين مرفوضة أصلا ..

بعيدا عن الأدلة التي ساقها الشيخ الكريم .. تحدث الدكتور (قاسم) عن قيام ممثلين غير مسلمين بأدوار الصحابة الكرام رضي الله عنهم … فأفتى الشيخ (الددو) حفظه الله بجواز ذلك .. وقال مرة عن (أنتوني كوين) أنه (كرتون) .. وقال مرة أخرى أن الممثل مجرد جهاز الكتروني لا يستطيع أن يزيد كلمة أو ينقص كلمة .. ومع ذلك فعندما استثنى أمهات المؤمنين رضي الله عنهن من إباحة تمثيلهن .. أنزل على ذلك (الكرتون) أحكام النظر إلا أمهاتنا الطاهرات .. ومن يجوز له أن ينظر إليهن!!! وخشي أن تكون الممثلات اللائي يقمن بأدوارهن جميلات .. فيؤثر ذلك في ضعاف النفوس {قال كلمة لم أتمكن منها : يتهموهن بالجمال أو شيء بهذا المعنى} أو قبيحات ..  فيزري ذلك بهن!!!

أما أغرب آراء الشيخ حفظه الله .. فقد طرحها عندما قرأ له الدكتور عبد العزيز،السؤال الذي طُرح على  هيئة كبار العلماء،عن جواز قيام أحد الممثلين بدور سيدنا بلال رضي الله عنه .. معلوم أن هيئة كبار العلماء أفتت بعدم الجواز .. وكان من أسباب المنع أن أحد الممثلين سوف يضطر لشتم الإسلام وقول العبارات الكفرية .. وهنا قال الشيخ محمد الحسن حفظه الله .. أن ذلك لا يجوز .. ويمكن الاستعاضة عنه بالحكاية كأن يقال : أما سمعت قول فلان!!!!!!!!

وتنزيلا  لهذا الاقتراح على أرض الواقع .. يقتضي أن يظهر الممثل الذي يؤدي دور سيدنا بلال رضي الله عنه .. وهو يتكلم بالنص المكتوب له .. بينما يأتي من يقول : “هل سمعتم ما قال فلان : أبو جهل مثلا)!!

“الفن”كمنتج ثقافي حديث

نخرج من مجال الشيخ (الددو) حفظه الله – الفقه وأصوله – ونرجو أن نكون قد أحسنا الأدب معه في هذا الحوار،لنتحدث عن (الفن) أو الفنون الدرامية تحديدا.

لقد قرأت الأمة،بفقهائها،وأدبائها،تلك الأدلة التي ساقها الشيخ محمد الحسن،حفظه الله،ومع ذلك لم تنتج الأمة (مسرحا) .. ولكنها أنتجت (قصصا) مكتوبا أو محكيا .. ولكنها استوردته،كما استوردت غيره من الصناعات،وعليه فإن لنا أن نعود إلى أهل (المنتج) الذي نتحدث عنه،أي المسرح – أبو الفنون – والسينما – الفن السابع – والتلفاز بطبيعة الحال .. وقد دمجت الفضائيات كل تلك الفنون معا .. فأصبحت كلها في بيتك .. حسب الشعار القديم لإحدى الفضائيات (السينما في بيتك).

قبل أن نبدأ،نذكر بأننا في الأسطر القادمة،عندما  نتحدث عن (التمثيل) فنحن نتحدث عن ذلك التمثيل الذي ذكرنا أركانه من قبل،ولا نعني التمثيل الذي قصده الشيخ (الددو) حفظه الله،مثل تمثل ملكين في صورة خصمين،أو مثل قول الحق سبحانه وتعالى (فتمثل لها بشرا سويا).. إلخ.

يجدر بنا أن نعتذر عن بعض العبارات التي سوف ننقلها بنصها .. لأننا على يقين أن بعض مشائخنا الذي عمروا أوقاتهم بثني الركب لدى الشيوخ طلبا للعلم الشرعي – أشرف العلم – قد لا يكون لديهم إلمام كامل بما يدور في عالم الفن .. وخصوصا حين نتحدث عن البدايات.

نبدأ بالسينما … وما ترمز إليه مبدئيا من كونها رمزا لـ(التلصص) أو هكذا توحي للمشاهد،إلى غير ذلك .. يقول الدكتور عبد المنعم الحفني :

( فلما اكتشفت السينما باعتبارها الفن السابع،توجه الفنانون والكتاب إلى العلاقات الجنسية يعرضونها على الشاشة بالصوت والصورة. ويلخص واحد من كبار نقاد السينما الرابطة بين السينما والجنس،فيقول إن جوهر السينما مثل جوهر الجماع هو الحركة،وتقوم الكاميرا بدور اليد وتفعل فعلها فهي تربت وتتحسس (..) وكان المخرج الروسي الأكبر إيزنشتاين يقارن بين المونتاج في السينما والنكاح،ويجعلهما في مرتبة واحدة،حيث المونتاج يؤلف بين المشاهد والأصوات ويمزج بينهما،وكأن المشهد يجتمع إلى المشهد اجتماع الذكر إلى الأنثى. ووجد النقاد أن الفن الجديد من أخطر ما يكون على العائلات والأخلاق الاجتماعية،وفرضت الدول الرقابة الفنية على الموضوعات السينمائية. ولقد بدأت السينما بداية تستحق الرقابة،فقد جعل المخرجون الكاميرا وسيلة يسترقون بها النظر والسمع معا إلى ما يجري في المخادع وخلف الجدران والأبواب المغلقة،وكشفوا خفايا البيوت والأشخاص،وكانت الكاميرا كأنها الشخص النمام،والناس بطبعهم يحبون النم،وليس أكثر من حب الاستطلاع عند الإنسان،وكانت الكاميرا هي الوسيلة التي تفوقت أيما تفوق من حيث إشباع حب الاستطلاع. والسينما بالإضافة إلى أنها فن فهي صناعة،ولابد أن يضع الفنان السينمائي عينه على الشباك ويرضي أذواق الناس،ويشبع فضولهم.){ص 44 (الموسوعة النفسية الجنسية) / الدكتور عبد المنعم الحفني / القاهرة مكتبة مدبولي / الطبعة الرابعة / 2004م}.

بدأنا بالسينما وكان الأجدر بنا أن نبدأ بالمسرح،لأنه (جد) الفنون،ولأن بداية التصادم بين المتدينين والتنويريين كان عبره  .. على كل حال .. في خضم ذلك الصراع ..

(( سدد البيوريتانيون أعنف ضربة للمسرح، حين أرسل أشد أنصارهم جرأة وشجاعة، وليم برين، إلى الصحافة (1632) مقالة (سوط الممثلين) وكان برين محاميا، ولم يدّع النزاهة والتجرد، وقدم إلى المدعي مذكرة من ألف صفحة، وبالاقتباس من الكتب المقدسة، ومن كتابات آباء الكنيسة بل حتى من كتابات الفلاسفة الوثنيين، أثبت أن المسرحية من عمل الشيطان. إنها بدأت كصيغة أو شكل للعبادة، إن معظم الروايات ممتلئة بالتجديف والدعارة والفحش، وزاخرة بعناق العشاق، والإيماءات الخليعة، والموسيقى والأغاني والرقص الذي يثير الشهوة، وإن كل أنواع الرقص من عمل الشيطان، وكل خطوة فيه إن هي إلا خطوة إلى الجحيم، وإن كل الممثلين مجرمون فجرة كفرة) {ص 89-90( قصة الحضارة )/ وول ديورانت جـ1 مجلد 7 ترجمة محمد أبودرة / طبعة جامعة الدول العربية}.

من هذا الغلظة في الخطاب،والتي وصلت حد التكفير،ظل ما يعرضه المسرح من أمور تتصادم مع الدين سائرا في طريقه،وانتهت مرحلة عدم وجود نساء يقبلن الصعود على خشبة المسرح – مما اضطر القائمين على المسارح إلى الاستعانة برجال يرتدون ملابس نسائية ويؤدون أدوارهن – إلى إقبال المرأة على المسرح .. ثم تلقفت السينما (شعلة التنوير) وواصلت المسيرة .. حتى وصل الأمر إلى ما يعلمه معظم الناس .. لكي لا نقول يعلمه الجميع من عري وفحش … السؤال الذي لاشك أنه قد يخطر على بال قارئ هذه السطور .. ما علاقتنا نحن بكل هذا؟!

نستطيع أن نجيب  ببساطة .. من زاويتين،أولاهما أن (الفلسفة) التي بنيت عليها الفنون الدرامية،والتي استوردناها لا يمكن الفكاك من ربقتها فهي التي تسيطر على الجو العام للفن … أما الزاوي الثانية .. فهي أننا نسير في فنوننا الدرامية على نفس الخطى (حذو القذة بالقذة) .. صحيح أن الأمر لم يصل لدينا – على قدر اطلاعي – إلى وصف الممثلين بالكفرة الفجرة – كما جاء في صحيفة “المتطهرين”- البيوريتان – النصارى – ولكن الأمر بدأ بتسمية الممثل بـ(المشخصاتي) وكانت المحاكم الشرعية  في مصر – بداية القرن الماضي – لا تقبل  شهادته .. وكان النقاش – بشكل عام – هل التمثيل (جائز) أما لا؟ .. ثم تطور إلى السؤال التالي : هل يجوز تمثيل الأنبياء عليهم السلام .. والصحابة الكرام عليهم رضوان الله ؟ … فأبيح التمثل .. ثم تمثيل الصحابة .. باستثناء العشرة المبشرين بالجنة .. وهانحن نصل مرحلة الفتوى بجواز تمثيل الجميع باستثناء الحبيب عليه الصلاة والسلام .. ومن باب الأدب مع مقام النبوة فقط!!!

نعود – من باب المقارنة – إلى مسرحنا العربي .. حيث كتب الدكتور حمدي الجابري  مقالة بعنوان: (انتبهوا أيها السادة: مسارحنا تحولت إلى” كباريهات“!! :

(( حصلت مواجهة بين الممثل محمد الشويحي وحمدي سرور مدير الرقابة على المصنفات الفنية، عندما عاقبه المدير على بعض الألفاظ الخارجة في مسرحية (أربعة غجر)، وفي المواجهة أكد محمد الشويحي على أن مسرحيتهم هي الأكثر أدبا بين كل المسرحيات، فطلب المدير شهادتي فأيدته تماما)ثم تحدث الدكتور (حمدي) عن مسرحية:

(( .. ” حمري جمري” بما تحويه من تهتك وإسفاف وابتذال وبذاءة وبعد عن كل شيء له علاقة بالمسرح… ما إن شاهدتها حتى أدركت سبب دفاع (الشويحي) عن مسرحيته وأيضا أدركت أن الذي يستحق فعلا سحب الترخيص وقرار الإلغاء هو كل جهاز الرقابة على المصنفات الفنية ما دام قد وصل إلى هذا العجز الفاضح، (..) وفي هذا المسرح المريض لابد أن تحتل  “حمري جمري” مكان الصدارة فمن الصعب الحديث عنها كمسرحية كاتبها محمود أبو زيد رغم كل تأكيدات المخرج فهمي الخولي أنها كانت ” على الورق” مسرحية جيدة.. ولكن من الصعب الاقتناع بذلك لأن الحكم هنا على العرض وحده لعدم توفر النص.. والعرض الذي شاهدناه من الساعة الحادية عشرة حتى الثالثة والنصف صباحا مليء بالضحايا الذين عادة ما تخدعهم الإعلانات وأسماء الأبطال الذين يقبلون على أنفسهم تقديم مثل هذه الأشياء بل ويتبارون في تجميلها أمام الجمهور المسكين الذي يبحث عن ضحكة في سهرة يملؤه “الغم والهم” فجرا، رغم كل الأراجوزات والتجاوزات التي منها على سبيل المثال لا الحصر قول ممثل عن زميلته ” إن ربنا خالقها على مزاجه” {أستغفر الله.. وتعالى الله عما يقول الكافرون علوا كبيرا} وهو كفر واضح تكرر كثيرا في المسرحية وأشك أنه في النص الأصلي (…) أما (صابرين) نجمة العرض الأولى المطربة والراقصة والممثلة فقد تحولت إلى ” كومبارس” بسبب مساحة وحجم الدور وضياع الدراما (..) فحاولت مجاراة ميمي جمال في الملابس على الأقل والمناقضة تماما بسبب ألوانها وثرائها لبقايا الشخصية الدرامية ولكن لا شيء يهم بينما تحولت الممثلة ميمي جمال إلى راقصة طوال المسرحية، ويبدو أنها لم تجد ما تمثله فقررت أن ترقص مظهرة مفاتنها {!!! – محمود} بأي صورة تجذب العين (..) أما ممدوح وافي (..) فحاول الإضحاك عن طريق الإشارات الجنسية الفاضحة التي وصلت إلى حد إمساك فتاة من قدمها ورفعها لأعلى وهي نائمة على الأرض ليجري الحوار حول الحذاء ومقاسه، وهو الذي تكرر من قبل مع صابرين… أيضا بصورة تستدعي ليس الرقابة ولكن بوليس الآداب (..) وبعد.. إذا كانت الرقابة الحكومية فعلا بمثل هذا العجز الفاضح فلابد من إعادة النظر فيها والتخلي عنها، واستبدالها بشرطة الآداب لتواجه هذا الفحش المسرحي قولا ومنظرا. ويكفي أن التعرية لجسد المرأة على الخشبة وصل إلى حد كشف الملابس الداخلية!! أما الألفاظ والإشارات والسباب المقذع والإسفاف الرخيص فيبدو أنها لم تعد تهم أحدا وكأنه لا مسرح بدونه (..) فهل يتحرك اللواء عبد الحليم موسى وزير الداخلية ما دام الأمل في مدير الرقابة قد أصبح معدوما أم أن قضايا التطرف تشغله، مع أنها تبدأ من هنا ) {جريدة ( الوفد) المصرية، العدد الصادر في 25/1/1411هـ / 16 / 8 / 1990م}.

ما ذُكر هنا .. يمكن تعميمه – بصورة من الصور – على كثير من المسرحيات .. والأفلام .. وحتى المسلسلات المتلفزة .. وقد قضيت عامين أتابع مجموعة من القنوات وأسجل ما تعرض .. فلست ألقي الكلام كيفما اتفق،وقد كتبت عن ذلك حلقة واحدة تحت عنوان (السينما وما أدراك) ..

لم يتوقف الأمر هنا .. بل تخطاه .. لنجد عربيا مسلما .. ينتقد قسا انتقد فجور السينما الهوليودية!!

كتب الأستاذ مصطفى درويش تحت عنوان ( هوليود مراقبة : محنة صناعة الأفلام مع جماعة الاحتشام)، وكان يعلق على كتاب ( هوليود مراقبة : القواعد الأخلاقية الكاثوليك والأفلام) لمؤلفه جريجوري بلاك، يقول الأستاذ مصطفى :

( وأعود إلى فاتحة الكتاب لأقول أنها استهلت بكلمات جاءت على لسان” روجر ماهوني”  كاردينال لوس أنجلوس في بيان وجهه إلى اتحاد معاد للأفلام الجنسية مركزه هوليود .. ومتى؟ في فبراير 1992، أي في أيامنا هذه، والقرن العشرون على وشك الرحيل. وكان بين ما جاء في كلمات ذلك البيان أن صناعة الأفلام تشكل عدوانا على القيم التي يؤمن بها أغلب الناس في المجتمع الأمريكي، وأن تلك الصناعة لم يعد في وسعها الاختباء وراء صرخة حرية التعبير، تطلق في غير محلها بين الحين والحين. ولم يكتف بيان الكاردينال بذلك الاتهام، وإنما طالب بإحياء قواعد الرقابة على الأفلام، التي كان معمولا بها من 1930 وحتى 1966 (..) وكانت حجته التي تذرع بها للمطالبة بالعودة إلى الماضي هي موجة الجنس المفرط والعنف المسرف التي اجتاحت الأفلام، وضرورة وضع حد لها حفاظا على القيم من الزوال. الأمر العجاب فيما تقدم أن الكاردينال في بيانه لم يضع في الاعتبار الأهوال التي مرت بها الإنسانية {  تحدث الكاتب عن الحرب العالمية وإلقاء القنبلة الذرية، والاختراعات المذهلة التي أنجزتها الإنسانية، ومن بينها غزو الفضاء، وثورة المعلومات، والاتصالات، والقفزات التي حققتها الديموقراطية،وحرية التعبير، إثر اندحار الفاشية وقوى الظلام الشمولية .. يا ساتر ثم يكمل :} فالكاردينال والحق يقال إنما يريد بطلبه إحياء قواعد الرقابة، والعودة إلى نظام عفا عليه الزمن){ مجلة الهلال القاهرية سبتمبر 1996م.}.

يبدو أنني أطلت أكثر مما ينبغي … ومع ذلك أقول .. مع احترامي وتقديري – الشديدين – لآراء الآخرين .. إلا أنني أرى أن الإلحاح على مسألة استصدار الفتاوى – هنا أقصد الساعين للحصول على الفتاوى،لا المفتين – التي تبيح تمثيل الصحابة الكرام عليهم رضوان الله … لتقديم البديل المنضبط .. أقول مع احترامي لوجهة نظرهم .. إلا أن الأمر يذكرني بما حصل بعد هزيمة 1967 .. يقول الأستاذ عادل حمودة  :

(وتنفيذا لتعليمات جمال عبد الناصر بدأت أجهزة الإعلام والثقافة في الترويح عن الناس بشتى الطرق .. حتى يكون الضحك الشرعي والرسمي بديلا عن الضحك السري .. وهكذا … ظهرت أغنية “العتبة جزاز” وأغنية ” الطشت قاللي يا حلو يا اللي قومي استحمي” وظهرت مسلسلات إذاعية مثل ” شنبو في المصيدة” و ” إنت اللي قتلت بابايا” .. لعبت بطولتها شويكار، التي نجحت في تحطيم اللغة العربية من خلال أسلوبها المختلف في النطق .. فشنبو يصبح شنوبي … وخالص تصبح خالص مالص بالص  .. وبابايا تصبح باباتي … أو تصبح باباااايا.وتجاوزت الرقابة كثيرا عن مشاهد الجنس وعبارات النقد السياسي .. وبدأت المجلات الشهرية في إصدار أعداد خاصة عن الفكاهة){ ص 38 ( كيف يسخر المصريون من حكامهم)/ ( ذُكر سابقا).}.

مرة أخرى نحن نبحث عن (التسلية الشرعية) … وهنا أتذكر مقولة أن هذه الفتوى التي تبيح تمثيل الصحابة الكرام،تضيق الباب .. فوجهة نظري الشخصية أن العكس هو الصحيح .. غير المهتم لا يبحث عن فتوى أصلا .. بينما تقدم الفتوى (غطاء ) شرعيا يمكن التمترس خلفه … وهنا أتذكر .. حالة وجود فتوى تحرم وتجرم تمثيل الأنبياء عليهم السلام … مما جعل المخرج المصري يوسف شاهين يكذب بشأن فيلمه عن سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا السلام!! ..  حين أثيرت ضجة حول فيلمه ( المهاجر)، بسبب تشابه قصته مع قصة سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

قال يوسف شاهين :

( شخصية رام{ بطل فيلم ( المهاجر).} لا تمت بأي صلة لحياة سيدنا يوسف عليه السلام){ لقاء أجرته جريدة ( الهدف) الكويتية، مع المخرج، في العدد 1402 في 15 / 4 / 1995م.}. بينما نجده في لقاء سابق، يقول :

( وما أعجبني في شخصية يوسف{ يعني لا ( سيدنا) ولا ( عليه السلام)؟!! } نفسها أنه كان ذا إرادة قوية أمام التحديات التي واجهته ومنها تحدي غريزته، وهي أساسا قصة عن قوة الإرادة، وهو ما يهمني إبرازه من خلال فيلمي ” المهاجر”){مجلة روز اليوسف العدد 3385 في 26 / 4 / 1993م.}. كما نجد في مقدمة حوار أقدم،من الحوار المذكور :

( في مكتبه{ يوسف شاهين.}الصغير تجتمع يوميا، ولساعات طويلة ” ورشة ” العمل المكونة من تلامذته وأصدقائه للانتهاء من سيناريو فيلمه القادم ” يوسف” نسخ من التوراة والإنجيل والقرآن ومراجع دينية وتاريخية كثيرة عن حياة ” يوسف الصديق”..){ مجلة روز اليوسف العدد 3367 في 21 / 12 / 1992م.}.

وبعد .. إن مما يثير القلق .. هذا الاهتمام المنقطع النظير .. حول البحث عن فتوى تجيز تجسيد الصحابة الكرام عليهم رضوان الله .. فقد ذكر منتج مسلسل (الحسن والحسين) – عبر برنامج “البيان التالي” – أن المسلسل به (فقيه) يجلس إلى جوار (المخرج) ليكون رقيبا على كل صغيرة وكبيرة !!!!! كما قرأنا الخبر التالي :

(23 مرجعية سنية وشيعية أجازت الحسن والحسين){ رسائل مجموعة الدكتور عبد العزيز قاسم،الرسالة رقم 418}. ما هذا الاهتمام ؟! وهل سيحظى كل مسلسل عن الصحابة بفقيه يرابط في الأستوديو ؟!!!! أم أنه اهتمام  البداية و مرحلة كسر الباب ؟!!

لم يبق لكم في ذمتي الكثير ..  وقفتان فقط :

الوقفة الأولى : ملاحظة طرحها الأستاذ إبراهيم الأزرق في حواره مع الشيخ (الددو) حفظه الله .. وهي تأثير المسلسل على  أفكرا الناس – أو شيء بهذا المعنى – عندما يرون ممثلا يؤدي دور صحابي كريم .. ثم يرون نفس الممثل في دور آخر سيء .. وقد نفى الشيخ الددو تأثير ذلك .. وهذا شيء عجيب .. فلا يحصل الممثلون (النجوم) على الملايين إلا لتأثيرهم في المشاهدين .. أو في سلوك المشاهدين .. والرسالة المزدوجة التي يرسلها الممثل إلى وعي – ولا وعي – المشاهد قطعا سوف يكون له تأثيرها المباشرة أو غير المباشر … وهنا أورد مقطعا من رواية … ومشهدا من الواقع .. يتحدث (ماركيز) عن جمهور السينما عند رؤيتهم لها أول مرة ..

(وكان مما يزعجهم أن أحد الأبطال قد مات ودفن في أحد الأفلام فذرفوا لعذابه وفراقه دموعا سخية،ولكنه ما لبث أن ظهر في فيلم جديد حيا،وقد بدا في هيئة رجل عربي.

وما كان الجمهور الذي يدفع الواحد من أفراده سنتين،كي يقاسم الممثلين معاناتهم ومصاعبهم وأحزانهم،ليحتمل هذه السخرية التي لا مبرر لها،فحطم الناس المقاعد جميعا،واضطر رئيس البلدية،عند إلحاح الدون برونو كريسبي،لأن يعلن على الملأ أن السينما ليست سوى آلة أوهام لا تستأهل الانفجار العاطفي من الجمهور المشاهد.){ص 283/ رواية (مائة عام من العزلة) / غبراييل غارسيا ماركيز / ترجمة : د/محمد الحاج خليل}.

أما المشهد الواقعي .. فهو ردة فعل (على الفطرة) من إحدى عجائزنا – رحم الله والديّ ورحمها – فقد شاهدت الفنان محمود ياسين يؤدي دور سيدنا خبيب رضي الله عنه .. وبعد فترة رأته في مسلسل آخر،في سمت مختلف تماما ,, فعلقت بلهجتنا (الحسانية) بالنص – كما نُقل لي –

(لي .. خبيب انخزيت وحسنت لحيتك وتكمي) .. وترجمة هذا الكلام : أفاا أو ماهذا بالفصحى .. انحرفت – حاشاه ورضي الله عنه –  حلقت لحيتك وأصبحت تدخن!!

هذا التعليق (الفطري) يقودنا إلى مجموعة من الأسئلة .. ما فائدة إبراز جيش من المسلمين يذهب ليقتل بضعة من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟!! ؟! ومشهد استشهاد سيدنا الحسين عليه السلام،نستطيع أن نقول ببعض المبالغة أنه من أهم أسباب بقاء المذهب الشيعي!! فهم يعيشون على البكاء عليه .. ولم يفعلوا مع والده سيدنا على عليه السلام .. ما فعله معه ،رغم استشهاده أيضا .. والسبب ببساطة أن استشهاد سيدنا الحسين عليه السلام .. أكثر (درامية) لذلك وظفوه في بكائيات لا تنتهي .. وما فائدة رؤية جيشين على رأس أحدهما سيدنا علي عليه السلام،والآخر من قبل سيدنا معاوية رضي الله عنه؟! وما فائدة إبراز مجموعة من الثوار تقتحم منزل سيدنا عثمان رضي الله عنه فتقتله ..  وغيرها .. وغيرها من ماضي أمتنا الذي قتل بحثا .. وحتى لو كان في حاجة إلى مزيد من البحث فلا يكون ذلك بإبرازه للعامة،وإنما يكون ذلك من قبل العلماء والمثقفين والمفكرين .. ولن يعيد مسلسل عن تقاتل المسلين الأمة إلى أمجادها .. الأمة تحتاج إلى احترام الإنسان .. وصناعة تعليم جيد .. وكف يد الفساد – بما فيه الفساد الأخلاقي – الذي ينخر في جسد الأمة ..

ومن ظن أنه بإنتاج مسلسل أو مسلسلين جادين سوف يصرف الجمهور عن أفلام ومسلسلات العري .. فهو لم يقرأ التأريخ الذي لم تمض عليه عدة عقود .. اسألوا عن حال المسرح (الجاد) في مصر .. وكيف كان فقيرا من الجمهور .. رغم صرف الدولة عليه .. بينما تضج مسارح العري والأغاني الخليعة والنكت والتلميحات الخارجة بالجمهور .. والسبب في غاية الوضوح .. (حفت النار بالشهوات .. وحفت الجنة بالمكاره) أو كما قال عليه الصلاة والسلام ..

الوقفة الثانية : أكرر دائما أن الحضارة تبنى – مع حفظ مقام ثوابت الدين – على تدافع الآراء .. وهنا ننتقل إلى أفكرا آمل أن تكون إيجابية .. إنه لمما يثلج الصدر أن نرى منتجا – مثل منتج مسلسل”الحسن والحسين” – ينتج مسلسلا،ويصرف عليه المبالغ الطائلة،وهو على يقين أن المسلسل لن يجلب له أرباحا،بل قد لا يعيد له رأس المال!!!  .. وهذا يدل – كما أشار الشيخ الددو حفظه الله – إلى حسن النية .. إذا يا أحبتنا بدلا من إضاعة الوقت في نقاش لا ينتهي حول جواز تمثيل الصحابة من عدمه .. أنتجوا لنا مسلسلات (منضبطة) بأعداد كبيرة – وبتكلفة أقل –  تستطيع أن تغذي الشاشات .. لأن إنتاج مسلسلين أو ثلاثة .. لا يجدي .. ثم انظروا هل سترحب قنوات – مثل إم بي سي – بمسلسلاتكم (المنضبطة) كما ترحب بالمسلسلات التي تثار حولها ضجة بسبب تمثيل الصحابة.

عندما يتم ملأ الفراغ بالمسلسلات الدرامية المنضبطة .. وتتقبلها الفضائيات قبولا حسنا .. يمكن الانتقال إلى الحديث عن تمثيل الصحابة الكرام عليهم رضوان الله جزء من الدراما المنضبطة .. لا كـ(كل) الدراما المنضبطة .. وهنا أتذكر لقاء إذاعيا مع الممثل حمدي حافظ – عبر الإذاعة السعودية – والذي التزم واعتزل (الفن)،وقد قال في اللقاء أنه حاول تمثيل مسلسل منضبط بضوابط الشرع .. فعجز عن ذلك،ولا عجب لأن المحيط الفني بأكمله نافر من ضوابط الدين .. حتى أن كاتب السيناريو المشهور وحيد حامد هدد زوجته،المذيعة التلفزيونية المعروفة زينب سويدان، بالطلاق إن ارتدت (الحجاب){مجلة “تي في” العدد 31 في 13/3/1995م}. – طبعا لو حصل العكس أي تهديد الزوجة بالطلاق ما لم تتحجب .. ربما يتدخل “مجلس الأمن”لرفع هذا العدوان على الحرية الشخصية!!! –  هذا الجو المعادي لمظاهر التدين،ماذا ننتظر منه؟!!

إذا نحن في حاجة إلى صنع (كوادر) – إن كنا صادقين في البحث عن البديل المنضبط – في الإخراج والإنتاج والتصوير .. وكافة لوازم إخراج العمل الفني .. بما فيها (الممثل الملتزم)،أو الذي لا يراه المشاهد في أدوار سيئة – هل يتذكر أحد الممثل رشيد علامة؟!! –  .. وإن كان ذلك لا ينهي كافة الإشكالات .. ولكنها مرحلة .. إن نجحت يمكن طرح التساؤلات حول جواز تمثيل الصحابة الكرام،عليهم رضوان الله، من عدمه.

وفي الختام أسأل الله – سبحانه وتعالى – أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم .. وأن يلهمنا رشدنا .. وأن يصلح حال أمة محمد عليه أفضل الصلاة وأشرف التسليم.

 أبو أشرف : محمود المختار الشنقيطي

المدنية المنورة في 2/9/1432هـ

المصدر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شبكة الرد الاكترونية : الجمعة 5/رمضان/1432هـ الموافق 5/اغسطس/2011م

شاهد أيضاً

ربيع الإخوان الصليبي

الأستاذ إبراهيم السكران وتوظيف النصوص وفق الهوى

بسم الله الرحمن الرحيم من البدهيات التي لا تقبل النقاش أن انقلاب الشخص على مفاهيمه …

لا تعليقات

  1. I don't even know what to say, this made thigns so much easier!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *